تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
الأول ، وان شئت قل في هذه التراكيب والصور المبنية في الأكثر على المدلولات الالتزامية التي منها البيّن وغير البيّن ، ومع ذلك فانا نجد ان البليغ المتفنن في بيانه قد يسلك لاعتبارات بيانية مسالك الاختصار والإيجاز ، أو يرد موارد الأطناب والتطويل ، أو يعتمد على الحذف في بعض الأحوال استنادا إلى قرائن ظاهرة أو خفية حالية أو مقالية ، أو يهمل طريق استنتاج بعض المقدمات ، أو يغفل بعض العلل اعتمادا على قرائن تتفاوت الافهام في ادراكها ، ويكون في ذلك جاريا على سنة من الفصاحة ظاهرة فيغلق كلامه على من لا يعرف الدقائق البيانية ، وكم من اللوازم غير البينة بل ومن البينة أيضا ما لا يتنبه لها إلا من راضت البلاغة نفسه وكيفت ذهنه وأسست ملكته ، فالناس إذا في ادراك ذلك متفاوتو الافهام . على أن هذه السنة كانت جارية بين فصحاء العرب وكانوا يأتون بالكلام على وجوه يحتملها ومغاز يشير إليها ، قال ابن قتيبة في كتابه المعروف ب « مشكلات القرآن » ما نصه : « والخطيب من العرب إذا ارتجل كلاما في نكاح أو حمالة أو تحضيض أو صلح أو ما أشبه ذلك لم يأت به من واد واحد ، بل يتفنن فيختصر تارة إرادة التخفيف ويطيل تارة إرادة الافهام ، ويكرر إرادة التوكيد ، ويخفي بعض معانيه حتى تغمض على أكثر السامعين ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين ، ويشير إلى الشيء ويكنّى عن الشيء ، وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل وكثرة الحشد وجلالة المقام ، ثم لا يأتي بالكلام كله مهذبا كل التهذيب ولا مصفى كل التصفية بل تجده يمزج ويشوب ليدل بالناقص على الوافر وبالغث على السمين ، ولو جعله كله من بحر واحد لبخسه بهاه وسلبه ماءه ، ومثل ذلك الشهاب من القبس يبرزه الشعاع والكوكبان يقترنان فينقص التوازن ، والسخاب ينتظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان ولا يجعله كله جنسا واحدا من الرفيع ولا النفيس المصون » . وقد سرت هذه السنة إلى المؤلفين فترى بعضهم يتحرى البلاغة مع الاختصار في مؤلفه بحيث يطوي تحت ألفاظ قليلة معاني كثيرة ، وبعضهم يبسط ويطيل وهكذا حتى احتاج كثير من كتب العلم إلى شروح وهوامش تفتح ما استغلق وتفصل ما ابهم ، بل تجد
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 233 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية