قال الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . وأما التأويل فشأن آخر .
ويبين ذلك : أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب اللّه ، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا تعلم معناه ، ولا قال قط أحد من سلف الأئمة ولا من الأئمة المتبوعين : إن في القرآن آيات لا تعلم معناها ولا يفهمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا أهل العلم والإيمان جميعهم ، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس ، وهذا لا ريب فيه .
وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات الصفات وآيات القدر وغير ذلك ، فلقبوها : « هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه ؟ » .
وأما تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم : فجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر من هذه الآية ، وبأن اللّه يمتحن عباده بما شاء ، ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف الكلم عن مواضعه . والغالب على كلا الطائفتين الخطأ ، أولئك يقصرون في فهم القرآن بمنزلة من قيل فيه :
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ
« 1 » ، وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه .
ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع ، فقال : لا يجوز أن يتكلم اللّه بكلام ولا يعني به شيئا . خلافا للحشوية . وهذا لم يقله مسلم : إن اللّه يتكلم بما لا معنى له .
وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه ؟ ، وبين نفى المعنى عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بون عظيم .
ثم احتج بما لا يجرى على أصله فقال : هذا عبث ، والعبث على اللّه محال . وعنده أن اللّه لا يقبح منه شئ أصلا بل يجوز أن يفعل كل شيء ، وليس له أن يقول العبث صفة نقص ، فهو منتف عنه ، لأن النزاع في الحروف وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال ، ويجوز أن يشتمل الفعل عنده على كل صفة ، فلا نقل صحيح ولا عقل صريح .
ومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم : أن مدعى التأويل أخطئوا في زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل ، وفي دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه . فان الأولين لعلمهم بالقرآن والسنن وصحة عقولهم وعلمهم بكلام السلف
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 78 .