فيشبه علم الطب في السعة والضيق بحسب سعة الموضوع وضيقه ، وغير خفي أن مسائل هذا العلم ليست من القضايا الحقيقية ، بل هي دائرة بين القضايا الخارجية والشخصية .
ونحن قد بسطنا البحث حول هذه المسائل في موسوعتنا الأصولية ، ولمكان ان المفسر لا بدّ أن لا يتجاوز عن مقصوده ، ولا ينظر في بعض الفنون التي من المبادي التصورية أو التصديقية لهذا العلم الشريف ، نظرا ينتهي اليه مرامه ، أشرنا إلى هذا النموذج الاجمالي ونعتذر .
وان شئت قلت : إن علم التفسير علم طويل سلّمه ، سالكة افلاكه والنجم ، بعيد الغور ، غريب الطور ، ذو سبل وفجاج ، متفنن الطرق في الاستقامة والاعوجاج ، قلّما اهتدى إلى اغواره الّا واحد بعد واحد ؛ لان كلام الكبرياء اجل من أن يكون شريعة لكل وارد ، وقليل من الناس وصلوا إلى اسراره وهم مع ذلك ينادون من مكان بعيد : أن موضوع هذا العلم وهو القرآن ليس له حدّ تقف اليه الافهام وليس كغيره من كلام الأنام وانما هو مقال الملك العلام ، ذو عبارات للعلماء وإشارات وحقائق للأولياء ولطائف للأنبياء ، بل هو بحر لجّي في قعره درر وفي ظاهره خبر والناس في التقاط درره والوصول إلى خبره على مراتب متفاوتة ، ومن اجل ذلك جاءت التفاسير مختلفة حسب اختلاف أهلها ، فمنها : ما يغلب عليه العربية والأدبية من الإعراب والبناء ، ومنها : ما يغلب عليه المجادلات الكلامية لما ظنوها من الحكمة والبرهان ، ومنها : ما يغلب عليه القصص والسير ، ومنها : ما يغلب عليه نقل الأحاديث والخبر ، ومنها : ما يغلب عليه التأويلات البعيدة وبيانات غريبة عجيبة ؛ لأنهم لم يأخذوا التفاسير من مشكاة النبوة والولاية ، فالتفسير الجامع لمجامع العلوم والاحكام والكافل للحقائق والدقائق والشامل للإشارات والعبارات والحاوي لأسس مطالب الحكمة والعرفان ، فلم يتيسّر لاحد من العلماء والحكماء ، ولا يمكن ذلك الا لمن خص بهبة من اللّه تبارك وتعالى ووراثة من الأنبياء واخذ العلم من مشكاة الأولياء واقتبس قوة قدسية ونورا من اللّه من القوالب السنية ، ونعم ما قيل بالفارسية :
جمع صورت با چنين معنى ژرف * نيست ممكن جز ز سلطان شگرف