تفسير قوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
« 1 » وسيأتي في قوله :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
« 2 » أن الآيتين أجنبيتان عن الإنساء بمعنى نسخ التلاوة ، وتقدم أيضا في الفصول السابقة أن هذه الروايات مخالفة لصريح الكتاب ، فالوجه عطفها على روايات التحريف وطرح القبيلين جميعا » « 3 » .
قال الطباطبائي ( ره ) في ذيل الآيتين 27 - 28 من سورة الجن : . . .
« . . . وثالثا : أن قوله :
فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
إلى آخر الآيتين يدل على أن الوحي الإلهي محفوظ من لدن صدوره من مصدر الوحي إلى بلوغه الناس ، مصون في طريق نزوله إلى أن يصل إلى من قصد نزوله عليه .
أما مصونيته من حين صدوره من مصدره إلى أن ينتهي إلى الرسول فيكفي في الدلالة عليه قوله
مِنْ خَلْفِهِ
« 4 » ، وأما مصونيته حين أخذ الرسول إياه وتلقيه من ملك الوحي بحيث يعرفه ولا يغلط في أخذه ، ومصونيته في حفظه بحيث يعيه كما أوحي إليه من غير أن ينساه أو يغيره أو يبدله ، ومصونيته في تبليغه إلى الناس من تصرف الشيطان فيه ، فالدليل عليه قوله :
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ
، حيث يدل على أن الغرض الإلهي من سلوك الرصد ان يعلم ابلاغهم رسالات ربهم ، اي ان يتحقق في الخارج ابلاغ الوحي إلى الناس ، ولازمه بلوغه إياهم ، ولولا مصونية الرسول في الجهات الثلاث المذكورة جميعا لم يتم الغرض الإلهي وهو ظاهر ، وحيث لم يذكر تعالى - للحصول على هذا الغرض - طريقا غير سلوك الرصد دل ذلك على أن الوحي محروس بالملائكة وهو عند الرسول ، كما أنه محروس بهم في طريقه إلى الرسول حتى ينتهي اليه ، ويؤكده قوله بعد :
وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ
.
واما مصونيته في مسيره من الرسول حتى ينتهي إلى الناس ، فيكفي فيه قوله : « من بين يديه » على ما تقدم من معناه .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 106 .
( 2 ) سورة النحل : الآية 101 .
( 3 ) الميزان ج 12 ص 104 - 133 .
( 4 ) هذا بناء على رجوع الضمير إلى الرسول واما بناء على احتمال رجوع الضمير إلى الغيب فالدال عليه مجموعمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِلكنه ضعيف كما تقدم .