عليه ، فلم يبتل القرآن بما ابتليت به التوراة والإنجيل وكتب سائر الأنبياء .
أضف إلى ذلك روايات لا تحصى كثرة وردت من طرق الشيعة وأهل السنة في قراءاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كثيرا من السور القرآنية في الفرائض اليومية وغيرها بمسمع من ملأ الناس ، وقد سمى في هذه الروايات جم غفير من السور القرآنية مكيتها ومدنيتها .
أضف إلى ذلك ما تقدم في رواية عثمان بن أبي العاص في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
« 1 » من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن جبريل أتاني بهذه الآية وأمرني أن أضعها في موضعها من السورة ، ونظير الرواية في الدلالة ما دل على قراءته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لبعض السور النازلة نجوما كآل عمران والنساء وغيرها ، فيدل على أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يأمر كتاب الوحي بإلحاق بعض الآيات في موضعها .
وأعظم الشواهد القاطعة ما تقدم في أول هذه الأبحاث ؛ أن القرآن الموجود بأيدينا واجد لما وصفه اللّه تعالى من الأوصاف الكريمة .
وبالجملة ؛ الذي تدل عليه هذه الروايات هو :
أولا : أن الموجود فيما بين الدفتين من القرآن هو كلام اللّه تعالى فلم يزد فيه شيء ولم يتغير منه شيء ، وأما النقص ؛ فإنها لا تفي بنفيه نفيا قطعيا كما روي بعدة طرق : أن عمر كان يذكر كثيرا آية الرجم ولم تكتب عنه ، وأما حملهم الرواية وسائر ما ورد في التحريف - وقد ذكر الآلوسي في تفسيره أنها فوق حد الإحصاء - على منسوخ التلاوة ، فقد عرفت فساده وتحققت أن إثبات منسوخ التلاوة أشنع من إثبات أصل التحريف .
على أن من كان له مصحف غير ما جمعه زيد أولا بأمر من أبي بكر وثانيا بأمر من عثمان ، كعلي عليه السّلام وأبي بن كعب وعبد اللّه بن مسعود ، لم ينكر شيئا مما حواه المصحف الدائر ، غير ما نقل عن ابن مسعود أنه لم يكتب في مصحفه المعوّذتين ، وكان يقول : إنهما عوذتان نزل بهما جبريل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليعوذ بهما الحسنين عليهما السّلام ، وقد رده سائر الصحابة وتواترت النصوص من أئمة أهل البيت عليهم السّلام على أنهما سورتان من القرآن .
وبالجملة الروايات السابقة - كما ترى - آحاد محفوفة بالقرائن القطعية نافية للتحريف
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 90 .