تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخبروه أن رجلا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شيء إلا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، ووقع ذلك لناس من أصحابه ، فأصبحوا فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن السورة فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئا ، ثم قال : « نسخت البارحة فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه » . أقول : والقصة مروية بعدة طرق في ألفاظ متقاربة مضمونا . وفيه عن عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبي داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص أنه قرأ : « ما ننسخ من آية أو ننسأها » فقيل له : إن سعيد بن المسيب يقرأ « ننسها » فقال سعد : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب ، قال اللّه :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
« 1 » ،
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
« 2 » . أقول : يريد بالتمسك بالآيتين ؛ أن اللّه رفع النسيان عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيتعين أن يقرأ « ننسأها » من النسيء بمعنى الترك والتأخير فيكون المراد بقوله : « ما ننسخ من آية » إزالة الآية عن العمل دون التلاوة كآية صدقة النجوى ، وبقوله : « أو ننسأها » ترك الآية ورفعها من عندهم بالمرة وإزالتها عن العمل والتلاوة ، كما روي تفسيرها بذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيره . وفيه أخرج ابن الأنباري عن أبي ظبيان قال : قال لنا ابن عباس : أي القراءتين تعدون أول ؟ قلنا : قراءة عبد اللّه ، وقراءتنا هي الأخيرة . فقال : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان ، وإنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين فشهد منه عبد اللّه ما نسخ وما بدّل . أقول : وهذا المعنى مروي بطرق أخرى عن ابن عباس وعبد اللّه بن مسعود نفسه وغيرهما من الصحابة والتابعين ، وهناك روايات أخر في الإنساء . ومحصل ما استفيد منها أن النسخ قد يكون في الحكم كالآيات المنسوخة المثبتة في المصحف ، وقد يكون في التلاوة مع نسخ حكمها أو من غير نسخ حكمها ، وقد تقدم في
هامش
( 1 ) سورة الاعلى : الآية 6 . ( 2 ) سورة الكهف : الآية 24 .