النبي صلّى اللّه عليه وآله وابطال أمره ، فكما لم ينالوا بمقصودهم في امر النبوة لحفظ اللّه وتأييده وقوّة المسلمين وكثرتهم ، بحيث صار المنافقون بينهم كالشامة السوداء في الثور الأبيض ، لم ينالوا من القرآن ما كان في قلوبهم من الغرض بل كان دون نيلهم اليه خرط القتاد » ثم قال الفيض رحمه اللّه : « والتغيير فيه - ان وقع - فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن ، والضبط الشديد انما كان بعد ذلك فلا تنافي بينهما » .
أقول : قد ثبت ان القرآن كان مجموعا في زمان النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وكانت شدة اهتمام المسلمين في حفظ ذلك المجموع بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وفي زمان احتمل بعض وقوع التحريف فيه ، كاهتمامهم في حفظ أنفسهم واعراضهم ، ومن الواضح انه لم ينتشر الاسلام في بقاع الأرض وأقطارها الا بانتشار الكتاب المجيد فيها ، حيث إن اعجاز القرآن دعا الناس إلى الاسلام والايمان بخاتم النبيين صلّى اللّه عليه وآله ، بل كان نشر الكتاب وشيوعه بين الناس أكثر من نشر الاسلام ، إذ الكفار المعاندون للدين بشدة اعجابهم بآيات اللّه وسور القرآن كانوا يحفظونها ويتلونها أكثر من حفظهم وقراءتهم من قصائد شعراء العرب ؛ كامرئ القيس واضرابه وخطب الفصحاء ، مع شيوع قوة الحافظة في أهل ذلك العصر بحيث كان كثير منهم يحفظون الخطب الطوال بسماعها مرة واحدة ، ولذا كانت العادة مقتضية لأن يكون كل آية وسوره في حفظ جمع كثير كان عددهم فوق حد التواتر ، مع أنه كان حفظ القرآن وتلاوته من أعظم عبادات المسلمين ، فالعادة تقتضى ان يكون جمع كثير منهم حافظين لجميع القرآن ، ومن الواضح انه كان اهتمامهم بحفظ القرآن من التغيير وصيانتهم له من التحريف ، كاهتمامهم بحفظ الاسلام وحفظ النبي صلّى اللّه عليه وآله من أن تصيبه آفة وجراحة ، حيث إنهم كانوا يفدون أنفسهم وأولادهم واعراضهم وأموالهم دون نفسه الشريفة .
ومن الغرائب قوله رحمه اللّه : « بل لقائل ان يقول : انه انما لا يتغير في نفسه وانما التغيير في كتابتهم إياه وتلفظهم به ، فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل وبقي الأصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به ، فما هو عند العلماء به ليس بمحرف وانما المحرف ما أظهروه لاتباعهم » انتهى .
فان هذا الاحتمال مبنى على فرض كون القرآن الموجود في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وبعده نسخة واحدة أو نسختين عند واحد من الصحابة أو اثنين ، ثم استنسخه جماعة من
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 527
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٥٢٧