نصلّى ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق ، فهو من ذلك القبيل ومثله كثير ، وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال :
« لا يقولن أحدكم : قد أخذت القرآن كله ، وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل : قد أخذت منه ما ظهر » ، والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى إلا انها محمولة على ما ذكرناه ، وأين ذلك مما يقوله الشيعي الجسور :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
« 1 » .
وأما ثانيا - فلأن قوله : « إن القرآن كان على عهد رسول اللّه صلّى تعالى عليه وسلّم مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن » الخ .
إن أراد به أنه مرتب الآي والسور كما هو اليوم ، وأنه يقرأه من حفظه في الصدر من الأصحاب كذلك لكنه كان مفرقا في العسب واللخاف ، فمسلم إلا أنه خلاف الظاهر من سياق كلامه وسباقه .
وإن أراد أنه كان في العهد النبوي مقروءا كما هو الآن لا غير ، وكان مرتبا ومجموعا في مصحف واحد غير متفرق في العسب واللخاف ، فممنوع والدليل الذي استدل به لا يدل عليه كما لا يخفى ، وباللّه العجب ! كيف ذكر في هذا المعرض ختمات ابن مسعود وأبى على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وجعل ذلك من أدلة مدعاه ؟ ، مع أن مروى كل منهما يخالف مروى الآخر ، وكلاهما يخالفان ما في المصحف العثماني ، فالسور مثلا في مصحفنا مائة وأربع عشرة باجماع من يعتدّ به ، وقيل : ثلاث عشرة ، يجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة ، وفي مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة ، لأنه لم يكتب المعوّذتين « 2 » ، بل صح عنه « 3 » أنه كان يحكّها من المصاحف ، ويقول : ليستا من كتاب اللّه تعالى وإنما أمر النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم أن يتعوذ بهما ؛ ولهذا عوذ بهما الحسن والحسين ، ولم يتابعه أحد من الصحابة على ذلك ، وقد صح أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأهما في الصلاة ، فالظاهر أنهما غير متواترتين قرآنا عنده ، والقول : بأنه إنما أنكر الكتابة ، وأراد بالكتاب المصحف ليتم التأويل ، مستبعد جدا ،
هامش
( 1 ) سورة النّور : الآية 40 .
( 2 ) لم يكتب الفاتحة أيضا لكن لا لاعتقاد انها ليست من القرآن معاذ اللّه ولكن للاكتفاء بحفظها لوجوب قراءتها في الصلاة فلا يخشى ضياعها ا ه منه .
( 3 ) كما أخرجه عبد الرحمن بن أحمد والطبراني عن النخعي ا ه منه .