بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته . ولعل الذين قالوا : إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك ، إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار . وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر » ا . ه وقال الشيخ ولي الدين الملوي : « وقد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المفرقة ، وفصل الخطاب : أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا ، فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف ، كما أنزل جملة إلى بيت العزة ، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر ، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ؟ ففي ذلك علم جمّ وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له . . اه . »
هذان النقلان نقلهما صاحب مناهل العرفان في الصفحة 73 - 74 من كتابه في طبعته الثانية .
من هذين النقلين ندرك أن علماءنا قد دندنوا حول ضرورة البحث عن الصلة والمناسبة بين الآيات في السورة الواحدة ، بل كان البقاعي الذي يطبع تفسيره الآن ولم أطلع عليه ، يلوم علماء بغداد لإهمالهم الكلام في هذا الشأن . وكما دندنوا حول المناسبة بين الآيات في السورة الواحدة ، بحثوا عن الصلة والمناسبة بين سور القرآن عامة . وهذه قضايا بمجموعها نادرا ما تجد تفسيرا قد خلا عن طرف منها ، ونادرا ما تجد مفسرا إلا وقد عرج عليها ما بين مكثر ومقل . ويبدو أن بعض الصحابة قد عرج عليها فقد ذكر ابن كثير :
« قال الأعمش عن أبي وائل : استخلف علي عبد اللّه بن عباس على الموسم ، فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة ، وفي رواية سورة النور ، ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا » ، ترى ما هو هذا التفسير الذي فسره ابن عباس حتى لو سمعه هؤلاء لأسلموا إلا أن يكون من جملته ذكر معان دقيقة زائدة على ما يفهم الرجل العادي
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 474
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٤٧٤