تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
حكما كثيرة ، وسيرى القارئ لهذا التفسير أن هذا الترتيب ما بين سور القرآن على هذه الشاكلة التي رتبها اللّه عز وجل في كتابه ، شيء به وحده تقوم الحجة على كل من يتصور أن هذا القرآن يمكن أن يكون بشرى المصدر . وذلك من جانب ترتيبه فقط ، فكيف بما سوى ذلك من عشرات الظواهر التي في كل واحدة منها الدليل من خلال عشرات الأمثلة ، على أن هذا القرآن يستحيل أن يكون بشري المصدر . ثم إنه بعملنا هذا نكون قد زدنا بعض حجج الكاتبين عن القرآن وضوحا . فمثلا ذكر صاحب مناهل العرفان في باب حكم نزول القرآن منجّما هذه الحكمة التي هي الحكمة الرابعة في عرضه فقال : « الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه كلام اللّه وحده وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد صلّى اللّه عليه وآله ولا كلام مخلوق سواه » . وبيان ذلك : أن القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره فإذا هو محكم السرد ، دقيق السبك ، متين الأسلوب قوي الاتصال آخذ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله ، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه ، كأنه سبيكة واحدة ، وعقد فريد يأخذ بالأبصار ، نظمت حروفه وكلماته ونسقت جمله وآياته ، وجاء آخره مساوقا لأوله وبدا أوله مواتيا لآخره . وهنا نتساءل : كيف اتسق للقرآن هذا التأليف المعجز ؟ وكيف استقام هذا التناسق المدهش على حين أنه لم يتنزل جملة واحدة ، بل تنزل آحادا مفرقة تفرق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عاما ؟ الجواب : أننا نلمح هنا سرا جديدا من أسرار الإعجاز . . ونقرأ دليلا ساطعا على مصدر القرآن وأنه كلام الواحد الديان :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » . . وإلا فحدثني بربك كيف تستطيع أنت أم كيف يستطيع الخلق جميعا أن يأتوا بكتاب محكم الاتصال والترابط ، متين النسج والسرد ، متآلف البدايات والنهايات ، مع خضوعه في التأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر ، وهي وقائع الزمن وأحداثه ، التي يجيء كل
هامش
( 1 ) سورة النّساء : الآية 82 .