تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
جزء من أجزاء هذا الكتاب تبعا لها ومتحدثا عنها سببا بعد سبب ، وداعية إثر داعية ، مع اختلاف ما بين هذه الدواعي ، وتغاير ما بين تلك الأسباب ، ومع تراخي زمان هذا التأليف وتطاول آماد هذه النجوم إلى أكثر من عشرين عاما ؟ ! . لا ريب أن هذا الانفصال الزماني وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدواعي ، يستلزمان في مجرى العادة التفكك والانحلال ، ولا يدعان مجالا للارتباط والاتصال بين نجوم هذا الكلام . أما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضا : نزل مفرقا منجما ، ولكنه تم مترابطا محكما ، وتفرقت نجومه تفرق الأسباب ، ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب ، ولم يتكامل نزوله إلا بعد أكثر من عشرين عاما ولكن تكامل انسجامه بداية وختاما . أليس ذلك برهانا ساطعا على أنه كلام خالق القوى والقدر ، ومالك الأسباب والمسببات ، ومدبّر الخلق والكائنات ، وقيّوم الأرض والسماوات ، العليم بما كان وما سيكون ، الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شؤون . لاحظ فوق ما أسلفنا : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال : « ضعوها في مكان كذا من سورة كذا » وهو بشر لا يدري - طبعا - ما ستجيء به الأيام ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ، ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث ، فضلا عما سينزل من اللّه فيها ، وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول صلّى اللّه عليه وآله على هذا العهد ، يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم ، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم وينتظم ويتآخى ويأتلف ويلتئم ، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت ، بل يعجز الخلق طرا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 1 » . وإنه ليستبين لك سر هذا الإعجاز ، إذا ما علمت أن محاولة مثل هذا الاتّساق والانسجام لا يمكن أن تأتي على مثل هذا النمط الذي نزل به القرآن ، ولا على قريب من هذا النمط لا في كلام الرسول صلّى اللّه عليه وآله ولا كلام غيره من البلغاء ، خذ مثلا حديث النبي صلّى اللّه عليه وآله
هامش
( 1 ) سورة هود : الآية 1 .