السورة التي تليها . وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر : أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا ، وقالا : ذلك منكوس القلب ، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ، ويبتدئ من آخرها إلى أوّلها لأن ذلك حرام محظور ، ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ، ليذلّل لسانه بذلك ويقدر على الحفظ ، وهذا حظره اللّه تعالى ومنعه في القرآن ، لأنه إفساد لسوره ومخالفة لما قصد بها .
ومما يدل على أنه لا يجب إثباته في المصاحف على تاريخ نزوله ما صح وثبت ؛ أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فتوضع في السورة المكية ، ألا ترى قول عائشة : وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده - تعني بالمدينة - وقد قدّمتا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة ، ولو ألفوه على تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السّور .
قال أبو بكر الأنباري : حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، حدثنا حجاج بن منهال حدّثنا همام عن قتادة قال : نزل بالمدينة من القرآن البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، وبراءة والرعد ، والنحل والحج ، والنور ، والأحزاب ، ومحمد ، والفتح ، والحجرات ، والرحمن ، والحديد ، والمجادلة ، والحشر ، والممتحنة ، والصف ، والجمعة ، والمنافقون ، والتغابن ، والطلاق ، ويا أيّها النبي لم تحرّم - إلى رأس العشر ، وإذا زلزلت ، وإذا جاء نصر اللّه . هؤلاء السّور نزلن بالمدينة ، وسائر القرآن نزل بمكة .
قال أبو بكر : فمن عمل على ترك الأثر والإعراض عن الإجماع ونظم السّور على منازلها بمكة والمدينة ، لم يدر أين تقع الفاتحة ، لاختلاف الناس في موضع نزولها ، ويضطرّ إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة إلى رأس الأربعين ، ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به ، وردّ على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما حكاه عن ربه تعالى . وقد قيل : إن علة تقديم المدني على المكي هو أن اللّه تعالى خاطب العرب بلغتها ، وما تعرف من أفانين خطابها ومحاورتها ، فلما كان فنّ من كلامهم مبنيا على تقديم المؤخر وتأخير المقدّم خوطبوا بهذا المعنى في كتاب اللّه تعالى ، الذي لو فقدوه من القرآن لقالوا : ما باله عرى من هذا الباب الموجود في كلامنا المستحلى من نظامنا ، قال عبيد بن الأبرص :
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 438
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٤٣٨