بعد هذا آيتين
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ
« 1 » إلى آخر السورة .
وأما ترتيب السور ففي كونه اجتهاديا أو توقيفيا خلاف ، والجمهور على الثاني « 2 » ، قال أبو بكر الأنباري : أنزل اللّه تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ، ثم فرقه في بضع وعشرين ، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابا لمستخبر ، فيوقف جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على موضع الآية والسورة ، فمن قدم أو أخر فقد أفسد « 3 » نظم القرآن . وقال الكرماني : ترتيب السور هكذا هو عند اللّه تعالى في اللوح المحفوظ وعليه كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه ، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين ، وقال الطيبي مثله ، وهو المروي عن جمع غفير ، إلا أنه يشكل على هذا ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم ، عن ابن عباس قال : قلت لعثمان :
ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين « 4 » فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ووضعتموها في السبع الطوال ؟ ، فقال عثمان : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب ، فيقول : دعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا . وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فظننت أنها منها ، فقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ووضعتهما في السبع الطوال ، فهذا يدل على أن الاجتهاد دخل في ترتيب السور ، ولهذا ذهب البيهقي إلى : أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال » « 5 » .
قال عبد القادر : « وضع السور والآيات توقيفي .
أما النطق بما تقدم وكتابته في غير القرآن فلا مانع منه ، وليعلم أن وضع الآيات في
هامش
( 1 ) سورة التوبة : الآية 128 و 129 .
( 2 ) وهذا آخر قوليه ا ه منه .
( 3 ) وبعضهم استنبط عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثا وستين سنة من قوله في سورة المنافقين :وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُهافإنها رأس ثلاث وستين سورة ، وعقبها بالتغابن للإشارة إلى ظهور التغابن بعد فقده صلّى اللّه عليه وسلّم ا ه منه .
( 4 ) المئين : ما تزيد على مائة آية أو تقاربها ، والمثاني هنا : ما ولى المئين ا ه منه .
( 5 ) روح المعاني ج 1 ص 26 - 27 .