أن بدّلت منهم وحوشا * وغيّرت حالها الخطوب عيناك دمعهما سروب * كأنّ شأنيهما شعيب أراد عيناك دمعهما سروب لأن تبدّلت من أهلها وحوشا ، فقدّم المؤخر وأخر المقدّم ، ومعنى سروب : منصبّ على وجه الأرض . ومنه السارب ، للذاهب على وجهه في الأرض ، قال الشاعر : « 1 » أنّى سربت وكنت غير سروب وقوله : شأنيهما ، الشأن واحد الشؤون ، وهي مواصل قبائل الرأس وملتقاه ، ومنها يجيء الدمع . شعيب : متفرّق » « 2 » .
قال الآلوسي : « فاعلم أن ترتيب آية وسوره بتوقيف من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أما ترتيب الآي فكونه توقيفيا مما لا شبهة فيه ، حتى نقل جمع منهم الزركشي « 3 » وأبو جعفر « 4 » الإجماع عليه من غير خلاف بين المسلمين ، والنصوص متظافرة على ذلك .
وما يدل بظاهره من الآثار على أنه اجتهادي معارض ساقط عن درجة الاعتبار ، كالخبر الذي أخرجه ابن أبي داود بسنده عن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال : أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة ، فقال : أشهد أني سمعتهما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووعيتهما ، فقال عمر : وأنا أشهد لقد سمعتهما ، ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها من سورة على حدة فانظروا آخر سورة من القرآن فالحقوهما في آخرها - فإنه معارض بما لا يحصى مما يدل على خلافه ، بل لابن أبي داود مخرجه خبر يعارضه أيضا فقد أخرج أيضا عن أبيّ ؛ أنهم جمعوا القرآن فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة :
ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
« 5 » ظنوا أن هذا آخر ما نزل ، فقال أبي : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أقرأني
هامش
( 1 ) هو قيس بن الخطيم . وتمام البيت : * وتقرب الأحلام غير قريب وفي اللسان مادة « سرب » : « قال ابن بري : رواه ابن دريد « سربت » بباء موحدة لقوله : وكنت غير سروب ، ومن رواه « سريت » بالياء باثنتين فمعناه : كيف سريت ليلا ، وأنت لا تسريين نهارا » .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 59 - 62 .
( 3 ) في البرهان ا ه منه .
( 4 ) في المناسبات ا ه - منه .
( 5 ) سورة التوبة : الآية 127 .