وما بعد اليوم .
وفعل ما فعل بعد أن استشار الصحابة واكتسب موافقتهم ، بل وظفر بمعاونتهم وتأييدهم وشكرهم .
روى أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال : سمعت علي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - يقول : يا معشر الناس اتقوا اللّه وإياكم والغلوّ في عثمان ، وقولكم حرّاق مصاحف .
فو اللّه ما حرقها إلا عن ملأ منّا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
و
عن عمر بن سعيد قال : قال علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - : لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان رضي اللّه عن الجميع » « 1 » .
قال الزحيلي في جمع القرآن
: « لم يكن ترتيب القرآن الكريم في آياته وسوره بالنحو التوقيفي في واقعه الموجود في المصاحف الحالية والغابرة متفقا مع أحوال نزول الوحي به ، فقد نزل بحسب الوقائع والمناسبات ، إما سورة كاملة أو بعض آيات ، أو بعض آية ، كما عرفنا ، ثم جمع ثلاث مرات .
الجمع الأول في عهد النبوة
: حدث الجمع الأول في عهد النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحفظه الثابت الراسخ كالنقش في الحجر في صدره عليه الصلاة والسلام ، تحقيقا لوعد اللّه تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
« 2 » ، وقد عرضه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرات على جبريل عليه السّلام ، مرة في كل رمضان ، وعرضه عليه مرتين في آخر رمضان قبل الوفاة ، ثم قرأه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الناس على نحو هذه العرضات ، ثم كتبه الصحابة عنه ، وكان كتّاب الوحي خمسة وعشرين كاتبا ، والتحقيق أنهم كانوا زهاء ستين ، وأشهرهم الخلفاء الأربعة ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وأخوه يزيد ، والمغيرة بن شعبة ، والزبير بن العوام ، وخالد بن الوليد ، وحفظه أيضا عدد من الصحابة في صدورهم حبّا به ، واعتمادا على قوة حافظتهم وذاكرتهم التي اشتهروا بها ، حتى إن حروب المرتدين قتل فيها سبعون من القراء ، وقد عدّ أبو عبيد في كتاب القراءات بعض الحفاظ ، فذكر من
هامش
( 1 ) مواهب الرحمن ج 1 ص 26 - 36 .
( 2 ) سورة القيامة : الآية 16 - 19 .