بعض آخر برسم آخر يدل على القراءة الثانية ، كقراءة ( وصّى ) بالتضعيف و ( أوصى ) بالهمزة ؛ وهما قراءتان في قوله سبحانه :
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
« 1 » ، وكذلك قراءة
( تَحْتِهَا الْأَنْهارُ )
وقراءة
( مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ )
بزيادة لفظ ( من ) في قوله تعالى في سورة التوبة :
لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
« 2 » ، وهما قراءتان أيضا .
وصفوة القول : إن اللفظ الذي لا تختلف فيه وجوه القراءات كانوا يرسمونه بصورة واحدة لا محالة . أما الذي تختلف فيه وجوه القراءات ؛ فإن كان لا يمكن رسمه في الخط محتملا لتلك الوجوه كلها ، فإنهم يكتبونه برسم يوافق بعض الوجوه في مصحف ، ثم يكتبونه برسم آخر يوافق بعض الوجوه في مصحف ، ثم يكتبونه برسم آخر يوافق بعض الوجوه الأخرى في مصحف آخر . وكانوا يتحاشون أن يكتبوه بالرسمين في مصحف واحد خشية أن يتوهم أن اللفظ نزل مكررا بالوجهين في قراءة واحدة ، وليس كذلك ، بل هما قراءتان نزل اللفظ في إحداهما بوجه وفي الثانية بوجه آخر من غير تكرار في واحدة منهما . وكذلك كانوا يتحاشون أن يكتبوا هذا اللفظ في مصحف واحد برسمين ؛ أحدهما في الأصل والآخر في الحاشية لئلا يتوهم أن الثاني تصحيح للأول . أضف إلى ذلك أن كتابة أحدهما في الأصل والآخر في الحاشية دون العكس تحكم أو ترجيح بلا مرجّح . وذلك نحو كلمة ( وصّى ) بالتضعيف و ( أوصى ) بالهمزة كما سبق . أما اللفظ الذي تختلف فيه القراءات ويدل عليه الرسم بصورة واحدة تحتمل هذا الاختلاف ، ويساعدهم عليه ترك الإعجام والشكل نحو ( فتبيّنوا ) و ( ننشرها ) كما سلف بيانه ، فتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين شبيهة بدلالة المشترك اللفظي على كلا المعنيين المعقولين .
والذي دعا الصحابة إلى انتهاج هذه الخطة في رسم المصاحف وكتابتها ؛ أنهم تلقوا القرآن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بجميع وجوه قراءاته وبكافّة حروفه التي نزل عليها ، فكانت هذه الطريقة أقرب إلى الإحاطة بالقرآن على وجوهه كلها حتى لا يقال : إنهم أسقطوا شيئا من قراءاته أو منعوا أحدا من القراءة بأيّ حرف شاء ، على حين أنها كانت منقولة نقلا متواترا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ،
ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « أي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 132 .
( 2 ) سورة التوبة : الآية 89 و 100 .