وكان من الدستور الذي وضعه عثمان - رضي اللّه عنه - لهم في هذا الجمع أيضا أنه قال لهؤلاء الثلاثة القرشيين : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا . حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة - رضي اللّه تعالى عنها - وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق . وذلك ليقطع عرق النزاع من ناحية ، وليحمل المسلمين على الجادة في كتاب اللّه من ناحية أخرى . فلا يأخذوا إلّا بتلك المصاحف التي توافر فيها من المزايا ما لم يتوافر في غيرها . وهذه المزايا هي :
أولا : الاقتصار على ما ثبت بالتواتر دون ما كانت روايته آحادا .
ثانيا : إهمال ما نسخت تلاوته ولم يستقرّ في العرضة الأخيرة .
ثالثا : ترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن .
رابعا : كتابتها بطريقة كانت تجمع وجوه القراءات المختلفة والأحرف التي نزل عليها القرآن - على ما مر بك - من عدم إعجامها وشكلها ، ومن توزيع وجوه القراءات على المصاحف إذا لم يحتملها الرسم الواحد .
خامسا : تجريدها من كل ما ليس قرآنا كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة ؛ شرحا لمعنى أو بيانا لناسخ ومنسوخ أو نحو ذلك .
وقد استجاب الصحابة لعثمان فحرقوا مصاحفهم ، واجتمعوا جميعا على المصاحف العثمانية ، حتى عبد اللّه بن مسعود الذي نقل عنه أنه أنكر أولا مصاحف عثمان ، وأنه أبى أن يحرق مصحفه . . رجع وعاد إلى حظيرة الجماعة حين ظهر له مزايا تلك المصاحف العثمانية ، واجتماع الأمة عليها ، وتوحيد الكلمة بها . وبعدئذ طهر الجوّ الإسلامي من أوبئة الشقاق والنزاع ، وأصبح مصحف ابن مسعود ، ومصحف أبي بن كعب ، ومصحف عائشة ، ومصحف علي ، ومصحف سالم مولى أبي حذيفة ، أصبحت كلها وأمثالها في خبر كان مغسولة بالماء ، أو محروقة بالنيران .
ورضي اللّه عن عثمان فقد أرضى بذلك العمل الجليل ربّه ، وحافظ على القرآن ، وجمع كلمة الأمّة ، وأغلق باب الفتنة ، ولا يبرح المسلمون يقطفون من ثمار صنيعه هذا إلى اليوم
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 406
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٤٠٦