وتفسيرها وتأويلها ، وجمعه ثانيا مع اثبات وجوه القراءات ، ثم في زمان عثمان لما كثر الاختلاف جمعه ثالثا على قراءة زيد بن ثابت ، وحمل الناس على قراءته واسقط سائر القراءات ، واحرق مصاحف الكمّلين من قراء الصحابة كعبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ، ونقل عن ابن مسعود ما يقرب من هذا المضمون : « لو كان لي مثل ما لهم لفعلت بصحفهم مثل ما فعلوا بصحيفتى ، ولقد قرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سبعين سورة ، وكان زيد بن ثابت في صلب أبيه الكافر » أو قال : كان يلعب مع الصّبيان » « 1 » .
قال البلاغي قدس سره في جمع القرآن
: « لم يزل القرآن الكريم بحسب حكمة الوحي والتشريع والمصالح والمقتضيات المتجددة آنا فآنا يتدرج في نزوله نجوما « 2 » الآية والآيتين والأكثر والسورة . وكلما نزل شيء هفت اليه قلوب المسلمين وانشرحت له صدورهم ، وهبوا إلى حفظه بأحسن الرغبة والشوق وأكمل الاقبال وأشد الارتياح . فتلقوه بالابتهاج وتلقوه بالاغتنام من تلاوة الرسول العظيم الصادع بأمر اللّه والمسارع إلى التبليغ والدعوة إلى اللّه وقرآنه . وتناوله حفظهم بما امتازت به العرب وعرفوا به من قوة الحافظة الفطرية ، واثبتوه في قلوبهم كالنقش في الحجر . وكان شعار الإسلام وسمة المسلم حينئذ ؛ هو التجمل والتكمل بحفظ ما ينزل من القرآن الكريم . لكي يتبصر بحججه ويتنور بمعارفه وشرائعه وأخلاقه الفاضلة وتاريخه المجيد وحكمته الباهرة وأدبه العربي الفائق المعجز . فاتخذ المسلمون تلاوته لهم حجة الدعوة . ومعجز البلاغة . ولسان العبادة للّه . ولهجة ذكره . وترجمان مناجاته . وأنيس الخلوة . وترويح النفس . ودرسا للكمال . وتمرينا في التهذيب . وسلما للترقي . وتدربا في التمدّن . وآية الموعظة . وشعار الإسلام . ووسام الإيمان والتقدّم في الفضيلة . واستمرّ المسلمون على ذلك حتى صاروا في زمان الرّسول يعدون بالألوف وعشراتها ومئاتها .
هامش
( 1 ) نفحات الرحمن ج 1 ص 8 - 12 .
( 2 ) ولا بد من أن تكون كتب الوحي والدعوة والتشريع جارية في كمالها على منهاج هذه الحكمة . ومما يشير إلى ذلك ان التوراة الرائجة تذكر ان نزول التوراة على موسى عليه السّلام كان من زمان تكليمه من الشجرة متدرجا بحسب الأزمان والحوادث والتاريخ والحكم في التشريع إلى حين وفاته بعد التيه عند عبر الأردن ، ومتراخيا في أكثر من أربعين سنة . فانظر في شرح هذا المجمل إلى المقدمة الثانية من الجزء الأول من كتاب الهدى ( صحيفة 9 إلى 12 ) .