الأسئلة لغرض امتحانه وتثبتهم من رسالته كما في أسئلة أعدائه عن الروح . وعن ذي القرنين . أو لغرض التنور والاستفادة ، ومعرفة حكم اللّه تعالى ، كما في سورة البقرة :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ؟ قُلِ الْعَفْوَ
« 1 » ، وقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ؟ قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ
« 2 » . ولا ريب أن تلك الأسئلة كانت ترفع إليه صلّى اللّه عليه وسلّم في أوقات مختلفة ، فلا بدّ أن ينزل الجواب عليها كذلك .
الثاني : مجاراة الوقائع في حينها ببيان حكم اللّه تعالى فيها عند حدوثها ووقوعها .
ومعلوم أنها لم تقع في يوم واحد ، أو شهر واحد بل وقعت تفصيلا وتدريجا .
الثالث : توجيه المسلمين إلى تصحيح أخطائهم التي يقعون فيها وإرشادهم إلى الصواب . كما في قوله تعالى :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
« 3 » الآيات . فهي تردع المؤمنين عن رذيلة الإعجاب والاغترار في يوم من أيام اللّه . وإلى وجوب رجوعهم إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم .
الرابع : كشف حال أعداء اللّه المنافقين ، وهتك أستارهم ، كي يأخذ المؤمنون منهم حذرهم فيأمنوا شرّهم . وحتى يتوب من شاء منهم . كما في قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
« 4 » إلى آخر الآيات الثلاث عشرة التي فضحت المنافقين . كما فضحتهم سورة التوبة في كثير من الآيات .
الحكمة الرابعة : الإرشاد إلى مصدر القرآن ، وأنه كلام اللّه وحده ، وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا كلام مخلوق سواه . وبيان ذلك : أنّا نقرأ القرآن الكريم من أوله إلى آخره . فإذا هو محكم السرد ، دقيق السبك متين الأسلوب ، قوي الاتصال ، آخذ بعضه برقاب بعض ، في سوره وآياته وجمله تجري فيه روح الاعجاز من ألفه إلى يائه ، كأنه سبيكة واحدة ، أو هيكل انسان واحد جميل ، جليل القدر ، متناسب الأجزاء والأعضاء ، مبين آيات كونية علوية وسفلية ، برية وبحرية بحيث يعجز عن كمال فهمها أكمل أرباب الفنون والصناعات . وذلك كله بوجه صالح للدراسة ، وصادق بحسب التأمّل السليم ، وباعتدال تام على الصراط المستقيم » « 5 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 219 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 220 .
( 3 ) سورة التّوبة : الآية 25 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 8 .
( 5 ) مواهب الرحمن ج 1 ص 11 - 15 .