وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
« 1 » - ويقول :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
« 2 » .
في سورة الطور . ويقول :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
« 3 » .
الحكمة الثانية : التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علما وعملا . وتحت هذا وجوه خمسة أيضا :
الوجه الأول : تيسير حفظ القرآن على الامّة العربية ، وقد كانت آنذاك أمّة أمية . ولم تكن أدوات الكتابة ميسورة لدى الكاتبين ، مع اشتغالها الشديد بأمر الجهاد ، وبتحصيل أمورها المعاشية . فلو نزل جملة واحدة لعجزوا عن حفظه .
الوجه الثاني : تسهيل فهمه عليهم كذلك مثل ما سبق في تسهيل حفظه .
الوجه الثالث : التمهيد لكمال تخليهم وابتعادهم عن عقائدهم الباطلة شيئا فشيئا بسبب نزول الآيات شيئا فشيئا . فكلما نجح الإسلام في هدم عقيدة فاسدة انتقل بهم إلى هدم أخرى .
الوجه الرابع : التمهيد لتحلّيهم بالعقائد الحقة ، والعبادات الصحيحة . والأخلاق الفاضلة شيئا فشيئا . ولهذا بدأ الإسلام بمنعهم عن الشرك والضلال ، وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء ، من أجل ان فتح القرآن عيونهم بأدلة التوحيد وبراهين البعث بعد الموت وحجج الحساب والمسؤولية والجزاء . ثم انتقل بهم بعد هذه المرحلة إلى العبادات . فبدأهم بفرض الصلاة قبل الهجرة . وثنّى بالزكاة وبالصوم في السنة الثانية من الهجرة ، وختم بالحج في السنة السادسة منها .
الوجه الخامس : تثبيت قلوب المؤمنين بعزيمة الصبر واليقين بما يقصّه القرآن عليهم من قصص الأنبياء والمرسلين ، وما جرى عليهم وعلى أتباعهم من الأعداء والمخالفين ، وما وعد اللّه به عباده الصالحين من الأجر .
الحكمة الثالثة : مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها ، فكلما حدث شيء جديد نزل من القرآن ما يناسبه ، وبيّن اللّه لهم من أحكامه ما يوافقه . وتحت هذه الحكمة أمور أربعة :
الأول : إجابة السائلين على أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، سواء كانت تلك
هامش
( 1 ) سورة هود : الآية 120 .
( 2 ) سورة الطّور : الآية 48 .
( 3 ) سورة المائدة : الآية 67 .