عند ارادتهم الفساد في الدين ، كان أشد تأثيرا في تبكيتهم وتفريعهم وردعهم وزجرهم وهدايتهم ودفعهم إلى الايمان والانقياد للحق .
ومنه : ان نزوله مفرقا ادعى لقبوله وتحمل إطاعة احكامه ، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ، فإنه كان يثقل قبوله على كثير من الناس لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهى .
روى عن عائشة انها قالت : « انما نزل أول ما انزل منه سور من المفصّل ، فيها ذكر الجنّة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الاسلام ، نزل الحرام والحلال ، ولو نزل أول شئ : لا تشربوا الخمر ، لقالوا لا ندع الخمر ابدا ، ولو نزل : لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنا ابدا .
و
عن الباقر عليه السّلام قال : « ليس أحد ارفق من اللّه تعالى ، ومن رفقه تبارك وتعالى انه ينقلهم من خصلة إلى خصلة ، ولو حمل عليهم جملة واحدة لهلكوا » .
و
في رواية عنهم عليهما السّلام : « ان اللّه تعالى إذا أراد ان يفرض فريضة انزلها شيئا بعد شئ ، حتى يوطن الناس أنفسهم عليها ويسكنوا إلى امر اللّه ونهيه ، وكان ذلك من التدبير فيهم أصوب وأقرب لهم إلى الاخذ بها وأقل لنفارهم منها » .
أقول : ولعله إلى جميع الوجوه المذكورة أشار سبحانه وتعالى بقوله :
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 1 » .
روى عن ابن عباس رضى اللّه عنه قال : « اخذ موسى الألواح بعد ما سكن عند الغضب ، فامرهم بالذي امر اللّه ان يبلغهم من الوظائف فثقلت عليهم ، فأبوا ان يقرّوا بها حتى نتق اللّه عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنى منهم حتى خافوا ان يقع عليهم فاقروا بها » .
أقول : لعله من الآصار التي كانت على بني إسرائيل انه نزلت التوراة على موسى دفعة ، وحمل عليهم جميع التكاليف بدوا ، فصار ثقيلا عليهم فأبوا عن قبولها » « 2 » .
قال الزحيلى
: « وتعددت حكمة إنزال القرآن منجما ، بسبب المنهج الإلهي الذي رسم به طريق الإنزال ، كما قال تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 106 .
( 2 ) نفحات الرحمن ج 1 ص 7 - 8 .
( 3 ) سورة الإسراء : الآية 106 .