تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
والضمير للكتاب ، والمراد بأم الكتاب اللوح المحفوظ كما قال تعالى :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
« 1 » ، وتسميته بأم الكتاب لكونه أصل الكتب السماوية يستنسخ منه غيره ، والتقييد بأم الكتاب ، و ( لدينا ) للتوضيح لا للاحتراز ، والمعنى : أنه حال كونه في أم الكتاب لدينا - حالا لازمة - لعلي حكيم ، وسيجيء في أواخر سورة الجاثية كلام في أم الكتاب إن شاء اللّه . والمراد بكونه عليا على ما يعطيه مفاد الآية السابقة أنه رفيع القدر والمنزلة من أن تناله العقول ، وبكونه حكيما أنه هناك محكم غير مفصل ولا مجزّأ إلى سور وآيات وجمل وكلمات ، كما هو كذلك بعد جعله قرآنا عربيا كما استفدناه من قوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 2 » . وهذان النعتان أعني كونه عليا حكيما هما الموجبان لكونه وراء العقول البشرية ، فإن العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أولا ، وكان مؤلفا من مقدمات تصديقية يترتب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنية ، وأما إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ وكان غير متجزّئ إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله . فمحصل معنى الآيتين : أن الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع وإحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين ، وإنما أنزلناه بجعله مقروا عربيا رجاء أن يعقله الناس . فإن قلت : ظاهر قوله :
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 3 » إمكان تعقل الناس هذا القرآن العربي النازل تعقلا تاما ، فهذا الذي نقرؤه ونعقله إما أن يكون مطابقا لما في أم الكتاب كل المطابقة أو لا يكون ، والثاني باطل قطعا ، كيف ؟ وهو تعالى يقول :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ
« 4 » و
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
« 5 » ، و
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
« 6 » ، فتعيّن الأول ، ومع مطابقته لام الكتاب كل المطابقة ما معنى كون القرآن العربي الذي عندنا معقولا لنا وما في أم الكتاب عند اللّه غير معقول لنا ؟
هامش
( 1 ) سورة البروج : الآية 21 - 22 . ( 2 ) سورة هود : الآية 1 . ( 3 ) سورة الزّخرف : الآية 3 . ( 4 ) سورة الزّخرف : الآية 4 . ( 5 ) سورة البروج : الآية 21 - 22 . ( 6 ) سورة الواقعة : الآية 77 - 78 .