فِيها يُفْرَقُ
الدال على الاستمرار أنها تتكرر ، وظاهر قوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
، أنها تتكرر بتكرر شهر رمضان فهي تتكرر بتكرر السنين القمرية وتقع في كل سنة قمرية مرة واحدة في شهر رمضان ، وأما أنها أي ليلة هي ؟ فلا إشعار في كلامه تعالى بذلك ، وأما الروايات فستوافيك في البحث الروائي التالي .
والمراد بنزول الكتاب في ليلة مباركة على ما هو ظاهر قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
، وقوله :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
« 1 » ، أن النازل هو القرآن كله .
ولا يدفع ذلك قوله :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 2 » ، وقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 3 » ، الظاهرين في نزوله تدريجا ، ويؤيد ذلك آيات اخر ، كقوله :
فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ
« 4 » ، وقوله :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ
« 5 » وغير ذلك ، ويؤيد ذلك أيضا ما لا يحصى من الأخبار المتضمنة لأسباب النزول .
وذلك أنه يمكن أن يحمل على نزول القرآن مرتين مرة مجموعا وجملة في ليلة واحدة من ليالي شهر رمضان ، ومرة تدريجا ونجوما في مدة ثلاث وعشرين سنة ، وهي مدة دعوته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
لكن الذي لا ينبغي الارتياب فيه أن هذا القرآن المؤلف من السور والآيات ، بما فيه من السياقات المختلفة المنطبقة على موارد النزول المختلفة الشخصية لا يقبل النزول دفعة ، فإن الآيات النازلة في وقائع شخصية وحوادث جزئية مرتبطة بأزمنة وأمكنة وأشخاص وأحوال خاصة ، لا تصدق إلا مع تحقق مواردها المتفرقة زمانا ومكانا وغير ذلك بحيث لو اجتمعت زمانا ومكانا وغير ذلك انقلبت عن تلك الموارد وصارت غيرها ، فلا يمكن احتمال نزول القرآن وهو على هيئته وحاله بعينها مرة جملة ، ومرة نجوما .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 185 .
( 2 ) سورة الإسراء : الآية 106 .
( 3 ) سورة الفرقان : الآية 32 .
( 4 ) سورة محمّد : الآية 20 .
( 5 ) سورة التّوبة : الآية 127 .