تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وأن القسم الثاني
« أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ »
وحي مع واسطة هو الحجاب ، غير أن الواسطة لا يوحي كما في القسم الثالث وإنما يبتدئ الوحي مما وراءه لمكان من ، وليس وراء بمعنى خلف وإنما هو الخارج عن الشيء المحيط به ، قال تعالى :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
« 1 » ، وهذا كتكليم موسى عليه السّلام في الطور ، قال تعالى :
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ
« 2 » . ومن هذا الباب ما أوحي إلى الأنبياء في مناماتهم . وأن القسم الأول تكليم إلهي للنبي من غير واسطة بينه وبين ربه من رسول أو أي حجاب مفروض . ولما كان للوحي في جميع هذه الأقسام نسبة اليه تعالى على اختلافها ، صحّ إسناد مطلق الوحي اليه بأي قسم من الأقسام تحقق وبهذه العناية أسند جميع الوحي اليه في كلامه ، كما قال :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
« 3 » . وقال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
« 4 » . هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة ، وللمفسرين فيها أبحاث طويلة الذيل ومشاجرات أضربنا عن الاشتغال بها ، من أرادها فليراجع المفصّلات . وقوله :
إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
« 5 » تعليل لمضمون الآية فهو تعالى لعلوه عن الخلق والنظام الحاكم فيهم يجلّ أن يكلمهم كما يكلم بعضهم بعضا ، ولعلوه وحكمته يكلمهم بما اختار من الوحي ، وذلك أن هداية كل نوع إلى سعادته من شأنه تعالى ، كما قال :
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
« 6 » ، وقال :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
« 7 » ، وسعادة الإنسان الذي يسلك سبيل سعادته بالشعور والعلم في إعلام سعادته والدلالة إلى سنّة الحياة التي تنتهي إليها ، ولا يكفي في ذلك العقل الذي من شأنه الإخطاء والإصابة فاختار سبحانه لذلك طريق الوحي الذي لا يخطئ البتة ، وقد فصّلنا القول في هذه الحجة في موارد من هذا
هامش
( 1 ) سورة البروج : الآية 20 . ( 2 ) سورة القصص : الآية 30 . ( 3 ) سورة النّساء : الآية 163 . ( 4 ) سورة النّحل : الآية 43 . ( 5 ) سورة الشورى : الآية 51 . ( 6 ) سورة طه : الآية 50 . ( 7 ) سورة النّحل : الآية 9 .