تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
مصاديق كلامه ما يتلقاه الأنبياء عليهم السّلام منه تعالى بالوحي . وعلى هذا لا موجب لعدّ الاستثناء في قوله :
إِلَّا وَحْياً
منقطعا ، بل الوحي والقسمان المذكوران بعده من تكليمه تعالى للبشر سواء كان إطلاقا التكليم إطلاقا حقيقيا أو مجازيا ، فكلّ واحد من الوحي وما كان من وراء حجاب وما كان بإرسال رسول نوع من تكليمه للبشر . فقوله : « وحيا » - والوحي الإشارة السريعة على ما ذكره الراغب - مفعول مطلق نوعي وكذا المعطوفان عليه في معنى المصدر النوعي ، والمعنى : ما كان لبشر أن يكلمه اللّه نوعا من أنواع التكليم إلا هذه الأنواع الثلاثة ؛ أن يوحى وحيا أو يكون من وراء حجاب أو أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء . ثم إن ظاهر الترديد في الآية ب ( أو ) هو التقسيم على مغايرة بين الأقسام ، وقد قيّد القسمان الأخيران بقيد كالحجاب ، والرسول الذي يوحي إلى النبي ولم يقيّد القسم الأول بشيء ، فظاهر المقابلة يفيد أن المراد به التكليم الخفي من دون أن يتوسط واسطة بينه تعالى وبين النبي أصلا ، وأما القسمان الآخران ففيهما قيد زائد وهو الحجاب أو الرسول الموحي وكل منهما واسطة ، غير أن الفارق أن الواسطة الذي هو الرسول يوحي إلى النبي بنفسه والحجاب واسطة ليس بموح وإنما الوحي من ورائه . فتحصّل أن القسم الثالث
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
وحي بتوسّط الرسول الذي هو ملك الوحي ، فيوحي ذلك الملك بإذن اللّه ما يشاء اللّه سبحانه ، قال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ
« 1 » ، وقال :
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
« 2 » ، والموحي مع ذلك هو اللّه سبحانه ، كما قال :
بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ
« 3 » . وأما قول بعضهم : إن المراد بالرسول في قوله :
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
« 4 » هو النبي يبلغ الناس الوحي ، فلا يلائمه قوله :
فَيُوحِيَ
إذ لا يطلق الوحي على تبليغ النبي .
هامش
( 1 ) سورة الشّعراء : الآية 193 - 194 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 97 . ( 3 ) سورة يوسف : الآية 3 . ( 4 ) سورة الشورى : الآية 51 .