تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
وجعل أوائل السور رموزا بينه وبين حبيبه ، فلا يعرف معناها إلا هما ، كما سنبينه في مواضعه إن شاء اللّه . هذا وان القول الجامع في معنى وحي اللّه لأنبيائه ، هو إعلام خفي سريع خاص بمن يوحيه اليه ، بحيث يخفى عن غيره الملاحق له ، كما كان يوحي اليه في فراش عائشة فيعلم ما هو المراد وهي لا تدري ما هو ، وكذلك كان يوحي اليه بمحضر من أصحابه فيعي ما يتلقاه ، وهم لا يعلمون شيئا منه إلا تغيّر حال الرسول عما كان عليه قبل الوحي ، لأنه عليه السّلام كان يعتريه ثقل وشدة حال نزوله ، حتى أنه ليعرق في الوقت البارد من عظم ما يلاقي من هيبة كلام الرب جل جلاله . وانظر لما قيل :
لو يسمعون كما سمعت كلامها * خرّوا لعزّة ركعا وسجودا
ومنه : الإلهام الغريزي كالوحي إلى أم موسى ، وضده الوسوسة الشيطانية ، قال تعالى :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ
« 1 » وقال :
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
، ووحي اللّه إلى أنبيائه ، قد روعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة ، الخفاء والسرعة . وقد يطلق على متعلقه وهو ما وقع به الموحى باسم المفعول ، مما أنزل اللّه على أنبيائه وعرفهم من أنباء الغيب والشرائع والحكم ، فمنهم من أعطاه كتابا أي تشريعا يكتب ، ومنهم من لم يعطه فيكون تابعا في التشريع لكتاب من قبله كأنبياء بني إسرائيل ، فإنهم كلهم تابعون للتوراة ولم ينزل الكتب دفعة واحدة إلا على الذين يحسنون القراءة كموسى وداود وعيسى وغيرهم ، أما الذين لا يحسنونها كمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ومن قبله فإنه لم ينزل عليه كتابه دفعة واحدة ، بل انزل مفرقا ليعيه أولا بأول وقد جمع له الأمرين ، إذ أنزل جملة إلى بيت العزة تعظيما لشأنه وتفخيما للمنزل عليه ثم أنزل نجوما مفرقة . . . ومنه : الوحي إلى الملائكة بما يأمرهم اللّه به ، قال تعالى :
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 121 . ( 2 ) سورة الأنفال : الآية 12 .