محترمة ، وكم اختلست من نفوس بريئة ، مع أن القاتل والمقتول يعترفان بالتوحيد ، ويقرّان بالرسالة والمعاد . أليس من الغريب أن يتعرض المسلم إلى هتك عرض أخيه المسلم وإلى قتله ؟ وكلاهما يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له . وأن محمدا عبده ورسوله ، جاء بالحق من عنده ، وأن اللّه يبعث من في القبور . أو لم تكن سيرة نبي الاسلام ، وسيرة من ولي الأمر من بعده أن يرتبوا آثار الاسلام على من يشهد بذلك ؟ فهل روى أحد أن الرسول أو غيره ممن قام مقامه سأل أحدا عن حدوث القرآن وقدمه ، أو عما سواه من المسائل الخلافية ، ولم يحكم باسلامه إلا بعد أن يقرّ بأحد طرفي الخلاف ؟ ! ! ولست أدري - وليتني كنت أدري - بما ذا يعتذر من القى الخلاف بين المسلمين وبم يجيب ربه يوم يلاقيه ، فيسأله عما ارتكب ؟ فانا للّه وإنا اليه راجعون .
وقد حدثت هذه المسألة - حدوث القرآن وقدمه - بعد انشعاب المسلمين شعبتين :
أشعري وغير اشعرى . فقالت الأشاعرة بقدم القرآن ، وبأن الكلام على قسمين : لفظي ونفسي ، وأن كلام اللّه النفسي قائم بذاته وقديم بقدمه وهو إحدى صفاته الذاتية . وذهبت المعتزلة والعدلية إلى حدوث القرآن ، وإلى انحصار الكلام في اللفظي ، وإلى أن التكلم من الصفات الفعلية .
صفات اللّه الذاتية والفعلية :
والفارق بين صفات اللّه الذاتية وصفاته الفعلية ، أن صفات اللّه الذاتية هي التي يستحيل أن يتصف سبحانه بنقيضها أبدا . إذا فهي التي لا يصح سلبها عنه في حال . ومثال ذلك :
العلم والقدرة والحياة ، فاللّه تبارك وتقدس لم يزل ولا يزال عالما قادرا حيا . ويستحيل أن لا يكون كذلك في حال من الأحوال :
وأن صفاته الفعلية هي التي يمكن أن يتصف بها في حال وبنقيضها في حال آخر .
ومثال ذلك : الخلق والرزق . فيقال . إن اللّه خلق كذا ولم يخلق كذا ، ورزق فلانا ولدا ولم يرزقه مالا . وبهذا يظهر جليا أن التكلم إنما هو من الصفات الفعلية ، فإنه يقال : كلم اللّه موسى ولم يكلم فرعون ، ويقال : كلم اللّه موسى في جبل طور ولم يكلمه في بحر النيل .