تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الانشاء . وقد تكرر في كلمات كثير منهم أن الانشاء ايجاد المعنى باللفظ . وقد ذكرنا في مباحثنا الأصولية أنه لا أصل للوجود الانشائي . واللفظ والمعنى وإن كانت لهما وحدة عرضية منشأها ما بينهما من الربط الناشئ من الوضع ، فوجود اللفظ وجود له بالذات ووجود للمعنى بالعرض والمجاز . ومن أجل ذلك يسري حسن المعنى أو قبحه إلى اللفظ . وبهذا المعنى يصح أن يقال : وجد المعنى باللفظ وجودا لفظيا ، إلا أن هذا لا يختص بالجمل الانشائية ، بل يعم الجمل الخبرية والمفردات أيضا . أما وجود المعنى بغير وجوده اللفظي فينحصر في نحوين ، وكلاهما لا مدخل للفظ فيه أبدا : أحدهما : وجوده الحقيقي الذي يظهر به في نظام الوجود من الجواهر والأعراض ، ولا بد في تحقيق هذا الوجود من تحقق أسبابه وعلله . والألفاظ أجنبية عنها بالضرورة . ثانيهما : وجوده الاعتباري ، وهو نحو من الوجود للشيء إلا أنه في عالم الاعتبار لا في الخارج ، وتحقق هذا النحو من الوجود إنما هو باعتبار من بيده الاعتبار . واعتبار كل معتبر قائم بنفسه ، ويصدر منه بالمباشرة ، ولا يتوقف على وجود لفظ في الخارج أبدا . أما إمضاء الشارع أو إمضاء العقلاء للعقود أو الايقاعات الصادرة من الناس ، فهو وإن توقف على صدور لفظ من المنشئ أو ما بحكم اللفظ . ولا أثر لاعتباره إذا تجرد عن المبرز من قول أو فعل ، إلا أن الامضاء المذكور متوقف على صدور لفظ قصد به الانشاء . وموضع البحث هو مفاد ذلك اللفظ الذي جيء به في المرحلة السابقة على الامضاء . وعلى الجملة : إن الوجود الحقيقي والاعتباري للشيء لا يتوقفان على اللفظ ، وأما امضاء الشرع أو العقلاء للوجود الاعتباري فهو وإن توقف على صدور لفظ أو ما بحكمه من المنشئ ، إلا أنه يتوقف عليه مما هو لفظ مستعمل في معناه . وأما الوجود اللفظي فهو عام لكل معنى دل عليه باللفظ ، فلا أساس للقول المعروف : « الانشاء ايجاد المعنى باللفظ » . والصحيح : إن الهيئات الانشائية وضعت لابراز أمر ما من الأمور النفسانية . وهذا الأمر