تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
هامش
مما يعود إليه المعنى ويهجر فيه جانب اللفظ . وقد ذهب الجرجاني في هذه الآية الكريمة إلى أن التقدير : مخافة أن تضل ، وأنشد قول عمرو :. . . . . . . . . . . . . . . . * فعجلنا القرى أن تشتموناأي : ( مخافة أن تشتمونا ) ، وهذا صحيح لو اقتصر عليه من غير أن يعطف عليه قوله : ( فتذكر ) ؛ لأنه كان التقدير : فاستشهدوا رجلا وامرأتين ، مخافة أن تضل إحداهما ، ولكن عطف قوله : ( فتذكر ) يفسده ؛ إذ يصير التقدير : مخافة أن تذكر إحداهما الأخرى ، وإذكار إحداهما الأخرى ليس مخوفا منه ، بل هو المقصود . وقال أبو جعفر : ( سمعت علي بن سليمان يحكى عن أبي العباس أن التقدير : كراهة أن تضل ) . قال أبو جعفر - رحمه الله تعالى - : ( وهو غلط ؛ إذ يصير المعنى : كراهة أن تذكر إحداها الأخرى ) . وذهب الفراء إلى أن تقدير الآية الكريمة : ( كي تذكر إحداها الأخرى إن ضلت ) ، فلما قدم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت ( أن ) . قال : ومثله من الكلام : ( إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى ) معناه : إنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل ؛ لأنه إنما يعجب الإعطاء لا السؤال ، فلما قدموا السؤال على العطية أصحبوه « أن » المفتوحة لينكشف المعنى ، فعنده ( أن ) في ( أن تضل ) للجزاء ، إلا أنه قدم وفتح ، وأصله التأخير . ورد البصريون هذا القول أبلغ رد : قال الزجاج : ( لست أدرى لم صار الجزاء إذا تقدم وهو في مكانه وغير مكانه يوجب فتح ( أن ) . وقال الفارسي : ما ذكره الفراء دعوى لا دلالة عليها ، والقياس يفسدها ؛ ألا ترى أنا نجد الحرف العامل إذا تغيرت حركته ، لم يوجب ذلك تغيرا في عمله ولا معناه ، كما روى أبو الحسن من فتح اللام الجارة مع المظهر عن يونس ، وأبى عبيدة ، وخلف الأحمر ؟ ! فكما أن هذه اللام لما فتحت لم يتغير من عملها ومعناها شئ ، كذلك : ( إن ) الجزائية ينبغي إذا فتحت ألا يتغير عملها ولا معناها ، ومما يبعده أيضا أنا نجد الحرف العامل لا يتغير عمله بالتقديم ولا بالتأخير ، تقول ( مررت بزيد ) ، وتقول : ( بزيد مررت ) ، فلم يتغير عمل الباء بتقديمها من تأخير . وأجاب ابن الخطيب فقال : هاهنا غرضان : أحدهما : حصول الإشهاد ، وهذا لا يتأتى إلا بتذكير إحدى المرأتين . والثاني : بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية ، وذلك لا يتأتى إلا بضلال إحدى المرأتين ، وإذا كان كل واحد من هذين - أعنى الإشهاد ، وبيان فضل الرجل على المرأة - مقصودا ؛ فلا سبيل إلى ذلك إلا بإضلال إحداهما وتذكّر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين . اللباب ( 4 / 489 - 492 ) .
شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير ) — صفحة 359 | عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )