ببعضها لحصل النطق بجميعها لخفتها وامتنع الإشمام ؛ لأن الفتحة من مخرج الألف ، ومنتهاه أسفل الحلق ، فلا أثر له في البصر كما لا أثر له في السمع .
واعلم أنك إذا أشرت بالإشمام كان الإدغام صحيحا ؛ لأنك تنطق إذ ذاك بالحرف مشددا ، وتشير بالشفتين حال التشديد من غير أن تبقى في ذات الحرف شيئا من لفظ الحركة ، فيكون الحرف الأول إذ ذاك مدفونا في الثاني وهو الإدغام الصحيح .
فأما إذا أشرت بالروم فلا يكون الإدغام صحيحا ؛ لأنك تبقى من لفظ الحركة بقية ، ولا تكون الحركة إلا في ذات الحرف الأول .
فبقدر ما فيه من الحركة يبرز في اللفظ ، وإذا كان كذلك لم تحصل حقيقة الإدغام ولكنه يكون إخفاء .
قال الحافظ - رحمه الله - : « لأن الحرف إذا أشير إلى حركته لم تذهب حركته رأسا ، بل يضعف الصوت تضعيفا ، وهي مع ذلك في زنة المتحرك التام الصوت الممطط اللفظ » .
قال : « وإلى هذا ذهب عامة أهل الأداء : ابن مجاهد وسائر أصحابه وأبو الطاهر ابن أبي هاشم « 1 » ،
هامش
( 1 ) إمام المقرئين ، أبو طاهر ، عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم البغدادي ، صاحب جامع البيان .
روى عن : محمد بن جعفر القتات ، وأحمد بن فرح ، وإسحاق بن أحمد الخزاعي ، وعبد الله بن الصقر السكرى ، والحسن بن الحباب ، وأحمد بن سهل الأشناني ، وتلا عليه وعلى سعيد بن عبد الرحيم الضرير ، وأبى بكر بن مجاهد .
قرأ عليه : أبو القاسم عبد العزيز بن جعفر الفارسي ، وعلي بن أحمد بن الحمامي ، وعلي بن محمد الجوهري ، وأبو الحسن علي بن العلاف الكبير ، وعبيد الله المصاحفى ، وأبو الحسين أحمد بن عبد الله السوسنجردى ، وآخرون .
وقد طول أبو عمرو الداني ترجمته ، وعظمه ، وقال : لم يكن بعد ابن مجاهد مثل ابن أبي هاشم في علمه وفهمه ، مع صدق لهجته ، واستقامة طريقته . وكان ينتحل مذهب الكوفيين ، ولما توفى ابن مجاهد أجمعوا على تقديم أبى طاهر ، وأن يقرئ موضعه ، فقصده الأكابر ، وتحلقوا عنده ، وكان قد خالف جميع أصحابه في إمالة الناس لأبى عمرو ، وكان القراء ينكرون ذلك عليه .
مولده سنة ثمانين ومائتين ، ومات في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة .
ينظر : سير أعلام النبلاء ( 16 / 21 - 22 ) ، تاريخ بغداد ( 11 / 7 - 8 ) ، وإنباه الرواة ( 2 / 215 ) ، وطبقات القراء للذهبي ( 1 / 251 - 252 ) ، والعبر ( 2 / 282 ) ، والبداية والنهاية ( 11 / 237 ) ، وغاية النهاية في طبقات القراء ( 1 / 475 - 477 ) ، والنشر في القراءات -