ابتداء من غير تقديم تنبيه على شيء مثله مما قبله . فإن عارض معارض بقوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ
« 1 » وقال : هذا من القسم الذي يشاهد وحقه أن يكون كقوله :
أَ وَلَمْ
كما كان
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ
وهما في شيء واحد فما بالهما اختلفا من حيث وجب أن يتفقا ؟ . . والانفصال أن يقال :
إنا عللنا موضع
أَ لَمْ
بما يوجب أن يكون هذا الموضع من أماكنها ، ألا ترى أنا قلنا :
هو كل موضع ينبهون عليه ابتداء من غير تنبيه على شيء مثله مما قبله فعللنا المشاهدات بما يخرج هذا عنها ؛ لأن قبل هذه الآية :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ
« 2 » فبنيت هذه الآية على الآية التي أخبر اللّه فيها عن أول أحوال الإنسان ، وأنه أخرجهم أطفالا صغارا من بطون أمهاتهم لا يعلمون منافعهم فيقصدوها ولا مضارهم فيجتنبوها ، ثم بصرهم حتى عرفوا ونبههم على ما يشاهده كل حي من تصرف الطير في الهواء وعجزه عن مثل ذلك ، وكان هذا مقرونا بأولى الأحوال ولم يتقدمه أمثال له يقع التنبيه عليها قبله ، فيكون في حكم ما يعطف على ما تقدمه ، فإن عارض بقوله عز وجلّ :
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
« 3 » وقال : إن ذلك مما يعلم ولا يشاهد وحكمه أن يكون ب « ألم » . . قيل له : التوسعة في الرزق والتقتير فيه لما كانت لهما أمارات ترى وتشاهد من أحوال الغني والفقير صار أمرهما كالمشاهدات ، فكانا مما شوهدت أمثالهما فعطف عليها . . فإن سأل سائل عما جاء بالفاء في قوله :
أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
« 4 » وقال : ما الفرق بين هذا المكان الذي جاءت فيه الفاء وبين الأماكن التي جاءت فيها الواو ؟ وهل كان يصح في اختيار الكلام الواو مكان الفاء هاهنا ؟ .
الجواب أن يقال : الفاء هاهنا أولى لأن قبلها
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
« 5 » فكأنه قيل فيهم أنهم كذبوا اللّه ورسوله بما أنكروه من البعث فلم يفكروا
هامش
( 1 ) سورة : النحل ، الآية : 79 .
( 4 ) سورة : سبأ ، الآية : 9 .
( 2 ) سورة : النحل ، الآيتان : 78 ، 79 .
( 5 ) سورة : سبأ ، الآيات : 7 - 8 - 9 .
( 3 ) سورة : الروم ، الآيتان : 36 ، 37 .