أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ
« 1 » وقال في سورة الشعراء « 2 » :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
.
للسائل أن يسأل فيقول : ما بال الألف في الآية الأولى دخلت على « لم » ، وفي الثانية دخلت على « ولم » ؟ فكان بين الألف و « لم » واو عطف ولم يكن في هذه السورة ، وما يفصل بين « ألم » « وأولم » وهل صلح ما في الشعراء مكان ما في سورة الأنعام أم لا ؟
الجواب أن يقال : إن الألف تدخل على واو العطف في الاستخبار والإنكار والتقريع على تقدير أن تكون الجملة التي فيها معطوفة على كلام قبلها يقتضيها ، وذلك كقولك للقائل يقول : هل رأيت زيدا ثمة أو زيد ؟ مما يكون « ثمة » تصوره بصورة من ثبت ذلك عنده أو قاله فاستفهمته ، وعطفت على ما توهمت أنه في علمه أو وهمه ، وكل موضع فيه بعد ألف الإنكار واو ففيه تنكيب على ما يسهل الطريق إلى ما بعد الواو ، فالاعتبار لكثرة أمثاله كقوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
كأن قائلا قال : كذبوا الرسل وغفلوا عن الفكر والتدبر فقال : فعلوا ذلك ولم ينظروا إلى المشاهدات التي تنبه الفكر فيها من الغفلة ، وكذلك قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ
« 3 » كأنه قال : كذبوا ولم ينظروا إلى ما يردع عن الغفلة من الفكر في المشاهدات ، وكذلك قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ
« 4 » لأن ذلك مشاهد وكل ما فيه واو مثل
أَ وَلَمْ يَرَوْا
فهو تنبيه على ما تقدمه في التقدير أمثال له منبهة لكثرتها ، فالتبكيت فيه أعظم فهذا كله في المشاهد وما في حكمه ، وما ليس فيه واو مثل
أَ لَمْ يَرَوْا
فهو ما لم يقدر قبله ما يعطف عليه ما بعده ؛ لأنه من باب ما لا يكثر مثله وذلك مما يؤدي إلى علمه الاستدلالات كقوله في سورة الأنعام « 5 » :
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً
إلى قوله :
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
وهذا ما لم يشاهدوه ولكن علموه وكذلك قوله :
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ
« 6 » هو مما الطريق إلى العلم به الاستدلال لا المشاهدة ، فهذا ونحوه مما لم يكثر في معلومهم أشباهه فهم ينبهون عليه
هامش
( 1 ) سورة : الأنعام ، الآية : 6 .
( 4 ) سورة : النحل ، الآية : 48 .
( 2 ) الآية : 7 .
( 5 ) الآية : 6 .
( 3 ) سورة : الملك ، الآيتان : 18 ، 19 .
( 6 ) سورة : يس ، الآية : 31 .