تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
ويحتمل أن يكون المراد ما ذهب إليه أكثر أهل التفسير ، وهو أن قوما أرسلوا هؤلاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في قصة زان محصن ، فقالوا لهم : إن أفتاكم محمد بالجلد فحدوه وإن أفتاكم بالرجم فلا تقتلوه ، وقال قتادة : كان هذا في قتيل منهم ، فقالوا : إن أفتاكم محمد بالدية فاقبلوه ، وإن أفتاكم بالقود فاحذروه ، وكانوا حرفوا في القولين حكم اللّه تعالى الذي في التوراة من بعد أن عمل به في مواضعه ، ولم يحرفوه ساعة نزوله ووجوب العمل به ، وهذا معنى قوله عز وجلّ :
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا
« 1 » وقيل : إن هذا إشارة إلى دين اليهود أي : إن جاءكم محمد صلّى اللّه عليه وسلم بدينكم فاقبلوه ، وإن لم يأتكم به فاحذروه ، فقد بان الفرق بين الموضعين بما بيناه واللّه أعلم .

الآية الثالثة منها

قوله عز وجلّ :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
« 2 » وقال بعده :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
« 3 » . للسائل أن يسأل فيقول : نبه أهل الكتاب بمجيء الرسول في الآية الأولى ، وأخبر أنه يبين لهم كثيرا مما يخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ، وقال في الآية الثانية : إنه قد جاء
يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
فهل ما ذكر من التبيين في الثانية كان يجوز أن يقترن بالتنبيه الأول أم وجب لكل ما تبعه من الكلام ؟ . الجواب أن قوله تعالى في الآية الأولى
يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ
معناه : يبين لكم كثيرا مما في التوراة والإنجيل من وصف الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وسائر ما يدعو إلى الدخول في الإسلام ويترك كثيرا مما حرفتموه فلا يبينه ؛ لأنه ليس في ذكره ما يلزمكم حجته ويجدد لكم ملة ، فهذا التبيين حقه التقديم للاحتجاج به ، ولذلك ردفه قوله :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ
« 4 » يعني النبي : أي : يهديكم إلى منافع دينكم كما تهتدون بالنور إلى منافع دنياكم ، وأما الآية الثانية التي بعد فمعناها
جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ
هامش
( 1 ) سورة : المائدة ، الآية : 41 . ( 3 ) سورة : المائدة ، الآية : 19 . ( 2 ) سورة : المائدة ، الآية : 15 . ( 4 ) سورة : المائدة ، الآية : 15 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 68 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي