والقوم الذين أخبر اللّه عنهم - بقوله :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ
« 1 » مع سائر ما وصفهم اللّه به فأثنى عليهم بذكره - كلهم وعدا
مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
.
الجواب : عن ذلك من وجهين . أحدهما أن يقال : إن « من » في هذا المكان ليست للتبعيض ، إنما هي لتبيين الجنس ، كأنه قال :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
. الذين هم هؤلاء كما قال :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
« 2 » أي :
الرجس الذي هو الأوثان .
الجواب الثاني أن يكون التقييد للتحذير ؛ لأنهم وإن علم اللّه منهم الثبات على ما هم عليه من العمل الصالح ، فإنه لا يخليهم من الأمر والنهي والوعد والوعيد على معنى :
دوموا على ما أنتم عليه ، فإن من دام منكم عليه فقد وعده اللّه
مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
.
فإن قال قائل : فلما ذا خصت الآية الأولى بأن جعل مفعولها الثاني جملة والآية الثانية مفعولها مفردا ؟ . قلت : لأن الأولى خطاب لقوم حثهم على توخي العدل فيما يحكمون به ، وهو أعم من حث الصحابة الذين ذكرهم في آخر سورة الفتح وأثنى عليهم بالشدة على الكفار والرحمة للمؤمنين وملازمة الركوع والسجود وابتغاء رضوان اللّه تعالى ، وإن مثلهم
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ
« 3 » إلى آخر الآية ، فخص هؤلاء بصريح المغفرة ، وذكر أنه وعدهم ذلك وقال في الآية الأولى :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
فكان إخبارا عن وعده إياهم فقط ، ثم أتى بخبر ثان فقال :
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
على معنى :
إن قاموا بذلك ولم يحبطوه بالسيئات فجوز منهم هذا ، ولم يعلق المغفرة بوعد فيعزيه إليها ، وفي الآية الثانية حقق المغفرة لهم وعدى الفعل إليها ، وكان كالحكم بأنهم يوافون الآخرة بأعمالهم الصالحة ، وقد وعدهم اللّه تعالى عنها المغفرة والأجر العظيم ، فلاق بكل آية ما خصت به فاعرفه إن شاء اللّه .
الآية الثانية منها
قوله تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
« 4 » وقال تعالى بعده
هامش
( 1 ) سورة : الفتح ، الآية : 29 .
( 3 ) سورة : الفتح ، الآية : 29 .
( 2 ) سورة : الحج ، الآية : 30 .
( 4 ) سورة : المائدة ، الآية : 13 .