تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
الجواب عن التكرار أن يقال : إن الآية الأولى في النصارى خاصة ، وهم الذين لما قالوا في عيسى إنه إله والإله واحد صاروا كأنهم قالوا : اللّه هو المسيح ابن مريم ، فرد اللّه ذلك عليهم بما دل به على أن عيسى عبد مخلوق مملوك للّه ليس هو بابن له ولا بإله ؛ لأن أحدا لا يملك أن يدفع عن المسيح وأمه وسائر من في الأرض من الخلق ما يريد اللّه إيقاعه بهم من موت أو هلاك ، ولا المسيح يملك ذلك ، فدل هذا على أنه مخلوق وأن اللّه له
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
والمسيح من جملته مملوك مدبر ، ولو كان إلها لكان شريكا للّه ولم يكن للّه
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فالقصد بذكر
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
في الآية الأولى أن يبين أن المسيح مخلوق ومملوك ليس بإله ولا بابن للّه ، إذ لو كان إلها كما زعموا لم يكن اللّه مالكا لجميع
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
ولما تهيأ إهلاك المسيح ، وكان هذا احتجاجا عليهم خاصة بأنه مملوك مخلوق وأن اللّه يخلق ما يشاء من أمثاله بدلالة أنه قادر على إهلاكه ، وفي ذلك جواب عن المسألة الثانية وهي صلة الأولى بقوله :
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
. . وأما الآية الثانية وهي قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
فروي عن ابن عباس رضى اللّه عنه أن جماعة من اليهود حين حذرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم نقمات اللّه وعقوباته قالوا : لا تخوفنا فإننا
أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
وقيل : إن اليهود تزعم أن اللّه أوحى إلى إسرائيل : إن ولدك بكري من الولد ، وقال الحسن : إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد والنصارى تأولوا ما في الإنجيل من قوله : أذهب إلى أبي وأبيكم ، وقيل : بل لما قالوا المسيح ابن اللّه أجرى على القائلين بذلك مثل ما تجري العرب على الواحد من هذيل إذا قالوا : نحن الشعراء والمراد منا ، وكما يجري رهط مسيلمة هذا الإطلاق عن قبيلتهم فيقولون : نحن الأنبياء لما قال واحد منهم ذلك وتابعه الباقون عليه ، فلما كان هذا مقال الفرقتين رد اللّه عليهم قولهم مع اعترافهم بأنهم يعذبون بذنوبهم ، إذ لو لم يقولوا ذلك لأباحوا ارتكاب الفواحش فقال :
فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
والأب المشفق على ولده لا يعذبه ، وكذلك الحبيب لا يعذب من يحبه ، فكان هذا احتجاجا عليهم بما يعتقدون صحته من عذاب الآخرة واللّه تعالى يقول : إنكم لستم بأبنائي ولا أحبائي ثم قال : وهو المنفرد بملك السماوات والأرض وما بينهما وأنه لا ولد له ولا نظير ولا شريك ، له إذ لو ثبت ذلك تعالى اللّه عنه لما كان مالكا لجميعه ، فلما احتج على إبطال قولهم بما يعتقدون صحته من عذاب المذنب منهم وذلك من أحوال الآخرة ، ثم احتج ب
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
على ذلك قرن إليه قوله :
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
أي : مآل الخلق إلى أن لا يملك أحد لهم نفعا ولا ضرا غيره تعالى ، وفي هذا جواب المسألة الثانية