في هذه السورة :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
« 1 » .
للسائل أن يسأل فيقول : لم قال في الأولى
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
وفي الثانية
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
؟ وما الفرق بين اللفظين وبين الموضعين حتى اختص كل واحد منهما باللفظ الذي خصه .
الجواب أن يقال : إن الآية الأولى في اليهود الذي حرفوا ما أنزل اللّه من كلامه عما علموه تأويلا له فيكون هذا تحريفا من جهة التأويل ، وحرفوا أيضا من جهة التنزيل ، كما قال :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
« 2 » . فقولك « عن » في كلام العرب موضوع لما عدا الشيء يقول :
أطعمه عن جوع وكساه عن عري ، وكانوا يعدلون بالكلم تأويله الذي له ، وتنزيله الذي جاء عليه إلى غيره مما هو باطل ، و « عن » في هذا الموضع تقرب من معنى « بعد » ؛ لأنك تقول أطعمه بعد جوع وكساه بعد عري ، إلا أن الأصل في هذا المكان أن يستعمل « عن » ؛ لأن « بعد » قد تكون لما تأخر زمانه عن زمانه بأزمنة كثيرة وبزمن واحد ، و « عن » لما جاوز الشيء إلى غيره ملاصقا زمنه لزمنه والمراد إذا قال : أطعمه عن جوع وسقاه عن عطش ليس يراد به إلا أنه لما عطش سقاه ولما جاع أطعمه . وأما الآية الثانية فهي في قوم من اليهود أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم
سَمَّاعُونَ
لما تقوله ليكذبوا عليك ويخبروا بخلاف ما تقوله عنك وينقلوا كلامك إلى قوم آخرين لم يأتوك . . ومعنى
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
يحتمل أن يكون المراد من بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليجعلوه على خلاف ما سمعوه منه وهذا موضع بعد لا موضع عن ؛ لأنه ليس يعدوه إلى المحرف إليه فينفصل عما جاء عليه إلى الكذب مقارنا له ، وإنما ذلك بعده بأزمنة كثيرة يتوقعون مضيها ليسهل كذبهم بعدها ويكون التقدير
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
أي : ناوون تحريفه من بعد وقوعه مواقعه وحصوله مواضعه ، فمحرفين بمعنى : ناوين التحريف كقوله :
وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
« 3 » أي : ناوين السجود ، وكذلك
فَادْخُلُوها خالِدِينَ
« 4 » أي : ناوين الخلود ومقدرين له ، وهذا ظاهر في هذا الموضع لا يصلح فيه إلا ما نطق القرآن به .
هامش
( 1 ) سورة : المائدة ، الآية : 41 .
( 3 ) سورة : يوسف ، الآية : 100 .
( 2 ) سورة : آل عمران ، الآية : 78 .
( 4 ) سورة : الزمر ، الآية : 73 .