ومن قرأ « تلوا » بضم اللام وواو واحدة ، فالمعنى : أن تلوا أمر الناس من الولاية أو تتركوه ، ويجوز أيضا أن يكون الأصل « تلووا » ، فأبدلت من الواو المضمومة همزة ثم خففت بإلقاء حركتها على اللام وحذفها ، وإن كان هذا مستضعفا في الهمزة العارضة . .
وأما الآية التي في سورة المائدة فإن فحواها يدل على أنها للولاة ، فقال :
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ
لا لنفع ويكون
بِالْقِسْطِ
متعلقا بقوامين أي : كونوا قوامين لأجل طاعة اللّه بالعدل والحكم فيه في حال كونكم شهداء أي : وسائط بين الخالق والخلق ، أو بين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأمته كما قال :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
« 1 » فالقائم بتنفيذ أحكام اللّه بين خلقه إذا وفي بما عليه من حقه فهو شهيد على من وليه والرسول صلّى اللّه عليه وسلم شهيد عليه بما نقله إليه ، والدليل على أن الخطاب لولاة الأحكام قوله بعده :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
وذلك عام في المخالفين من أهل الأديان والموافقين ممن حصلت لهم بغضة وعداوة ، أي : اعدلوا على الولي والعدو عدلا واحدا ، وقيل في هذه الآية إنها أيضا في الشهادة بالحقوق وقيل في الشهادة لأمر اللّه بأنه حق وقيل معناه : قوموا في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به والنهي عن المنكر وتجنبه .
الآية الخامسة منها
قوله تعالى :
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً
« 2 » وقال في سورة الأحزاب « 3 » :
إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
.
للسائل أن يسأل عن الآية الأولى : لم خص فيها « خير » ولم عم في الثانية بلفظ « شيء » ؟ .
الجواب أن يقال : إنما خص في هذا الموضع الخير بالابتداء لأنه بإزاء السوء الذي قال فيه :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
« 4 » والمعنى : لا يحب اللّه أن يجهر بالقول السّيّئ غير المظلوم وهو أن يدعو على من ظلمه أو أن يخبر بظلمه له أو أن ينتصر منه بسوء مقاله فيه ، فقال : إن أبديتم ثناء وذكرا جميلا لمن يستحقهما أو
هامش
( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 143 .
( 3 ) الآية : 54 .
( 2 ) سورة : النساء ، الآية : 149 .
( 4 ) سورة : النساء ، الآية : 148 .