الآية الثانية منها
قوله تعالى :
كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » وقال في سورة الإنسان « 2 » :
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً
.
للسائل أن يسأل : عن اختلاف المكانين وقوله :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
وقوله :
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
والهاء ضمير مذكر والعائد يعود على مؤنث ؟ .
الجواب أن يقال : التذكرة مصدر من : ذكرت أذكر تذكيرا وتذكرة ، كما يقال :
قدمت تقديما وتقدمة ، وكرمت تكريما وتكرمة ، فلما كانت الآيات المتقدمة فواصلها في الوقف هاء ، كقوله :
حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
« 3 » و
صُحُفاً مُنَشَّرَةً كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
عادت الهاء إلى مذكر دلت التذكرة عليه وهو بمعناها ، وهو : التذكرة والتذكر لتتعادل الفواصل . معنى :
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
؛ أي : من شاء انتفع فيكون ذاكرا له ، وإذا لم ينتفع به فيكون كالناسي له ، وأما قوله :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
فهو بمعنى :
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
؛ لأن من انتفع بالذكر ، سلك سبيل الطاعات التي تؤدي إلى ثواب اللّه ، فعدل إلى قوله :
اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
للتوفقة بين الفواصل من هذه السورة ، إذ كانت مردفة بياء أو واو ، ومنقطعة بالألف ، فحصل بالمكانين المعنيان متفقين مع ملائمة الفواصل في الموضعين .
هامش
( 1 ) سورة : المدثر ، الآيات : 53 ، 56 .
( 3 ) سورة : المدثر ، الآيتان : 50 ، 51 .
( 2 ) الآيتان : 29 ، 30 .