وقيامهم بحقوقها المفروضة قبلها ، والمفروضة عند افتتاحها ، والمفروضة عند جملة حدودها إلى حين اختتامها ، فهذا في وصف المصلين ، وبعدهم المزكون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ، يعطون ما يجب عليهم من زكوات أموالهم من يسألهم ، ومن يترك المسألة فيحرم مثل ما يعطاه السائل ، وهذا أيضا مبالغة في وصف من يستشف أحوال الفقراء ، فيعطيهم لما يعلمه من حاجتهم لا لما يشاهد من إلحاحهم في مسألتهم ، وبعده :
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
« 1 » ؛ أي : يؤمنون بالبعث والحساب والجزاء ، ثم أتبع ذلك التوكيد قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
« 2 » ومن صدق بيوم الدين أشفق من عذاب اللّه له على سيئات أعماله ، فأراد أنهم يصدقون بيوم الدين ، ويرهبون عذاب اللّه ، فيعملون الصالحات طلبا للنجاة منه ، وبعده :
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
؛ أي : لا يطلقون فروجهم على معاصي اللّه ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، ثم بالغ في تحذيرهم بأن قال :
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
أي : من خرج عن هذا الحد إلى ما وراءه ، وذلك شامل للجهات كلها ، فأولئك خارجون عن الحق إلى الظلم ، وهذه الآية جاءت في سورة المؤمنين ، وبعدها في السورتين :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ
فوصفهم بأنهم يرعون أمانة اللّه عندهم ، وأمانات الناس لديهم ، وعهودهم قبلهم ، ثم خص الآية في سورة سأل سائل بما أجرى عليه الآيات التي قبلها من المبالغة في الطاعات التي تضمنت ذكرها ، فقال :
وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ
؛ أي : يؤدون بعد الأمانات التي في رقابهم وذممهم - الأمانات التي في ذمم غيرهم وثباتها بشهاداتهم ، فوصف من يؤدي الأمانات التي في رقابهم وذممهم إلى الأمانات التي يثبت بها حقوق تخصه إلى مستودعيها على غيرهم ، فكان من المبالغة التي تقتضيها الآيات المتقدمة ذكر الشهادات عقيب أداء الأمانات ، وقوله إخبارا
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ
مردود إلى الآيات الأول وقد بينا ذلك أولا .
فإن قال قائل : كيف يصح أن يقال : خلق الإنسان هلوعا جزوعا منوعا ؟ وهذا يوجب أن يكون الهلع والجزع والمنع موجودة فيه في حال خلق اللّه له ، وليس هو كذلك لأنه لا يشعر بهذا للطفولية ؟
قلت : أجيب عن ذلك بأن جعل معناه : خلق حيوانا ضعيفا لا يصبر على الشدائد إذا دامت عليه ، وإجراؤه الصفة عليه في حال الخلق توسع ومجاز .
هامش
( 1 ) سورة : المعارج ، الآية : 26 .
( 2 ) سورة : المعارج ، الآية : 27 .