تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
وإذا ضم إلى الكذب الأول كذبا ثانيا يثنى به الأول المذكور ، وما يكون له أمثال يتنكر بعضها ببعض كما كان ذلك فيما يقع على واحد من أمة شائع فيها ، فيكون فيها نكرة ، فإذا جاءت بعد :
كَذَّبَ
قرينة تقتضي له التنكير ، فأكثر ما جاء منكرا معها وهو :
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
أو :
قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ
أو :
كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
أو :
كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ
أو :
كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ
فهذه خمسة مواضع تقدمها قوله :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
وكانت مقارنة تقتضي التنكير في لفظها وأما قوله في سورة الأنعام « 1 » :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ
فإنما معناه : ومن أظلم لنفسه ممن يختلق كذبا يقصد به الضلال للناس ، فكل من ضل منهم يكذبه فقد أضله كذب أخلقه ، ففيه دليل أمثال له يقتضي تنكيره ، وكذلك قوله تعالى في سورة هود « 2 » :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ
فكانت لفظة من :
مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
لفظة واحدة ، والمعنى : كل كاذب كذبا فمضامه أنواع الكذب لمضامه الكاذبين لهم يقتضي تنكير لفظه إذ صاروا واحدا من جماعة شائعا فيها ، وأما تعريفه في سورة الصف فلأن القصد : الإشارة إلى ذلك الكذب ، وهو : تكذيب اليهود بآيات اللّه والرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وتكذيب النصارى بها ، وقد تقدمت قصتهما في قوله :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي
« 3 » وبعده :
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ
« 4 » أي : ومن أظلم ممن يكذب الكذب الذي تشير إليه الأمم من المسلمين والنصارى واليهود على اختلاف اعتقاداتهم ، فقد صح أنه الكذب المعروف عند المسلمين وعند علماء الطائفتين من أهل الكتاب ، فالتعريف في هذا المكان فائدته التي تخصه ما ذكرنا ، كما أن ما جاء منه منكرا اقتضاه مكانه على ما بينا .

62 - سورة الجمعة

ما فيها قد تقدم ذكره في سورة البقرة .
هامش
( 1 ) الآية : 144 . ( 3 ) سورة : الصف ، الآية : 5 . ( 2 ) الآية : 18 . ( 4 ) سورة : الصف ، الآيتان : 6 و 7 .