لا تلاقي سواه مما علق الفعل به ، وليس كذلك
وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
؛ لأن القاف قد تلاقي ما يتعلق بها متحركا ، وهو :
وَرَسُولَهُ
؛ لأن التقدير : ومن يشاقق رسول اللّه ، فلم يخلص القاف فيما يتعلق بها للحركة كما خلصت له في الأول ، وأما قوله :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى
فليس الساكن من « الرسول » الذي يلاقيه القاف كالساكن من لفظة اللّه تعالى ؛ لأنه قد يحذف فيصح لملاقاة القاف متحركا منه ، نحو : ومن يشاقق رسول اللّه ، فالذي أوجب في سورة الحشر إدغام :
وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ
هو : قوة الحركة في القاف ، وقوتها أنه لا يصح أن تلاقي الاسم الذي بعدها إلا ساكنا لا يقوم مقامه متحرك في حال ، وما سواه من المواضع ليس على هذا الوصف ، فبان الفرقان ، واللّه أعلم .
الآية الثانية منها
قوله تعالى :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
« 1 » وقال بعده :
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ
« 2 » .
للسائل أن يسأل : عن اختصاص خاتمة الآية الأولى بقوله :
لا يَفْقَهُونَ
واختصاص الثانية بقوله :
لا يَعْقِلُونَ
؟ .
الجواب أن يقال : لما قال :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ
، أي :
خوفهم منكم أشد من خوفهم من اللّه ، إنهم يعلمون ظاهرا ولا يعرفون ما استتر عنهم منه ، والفقيه من يستدرك من الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنته وجودة قريحته ، فلما رهبوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وسننه ما لم يرهبوا اللّه عز وجلّ ، صاروا كمن يعرف ما يشهده ويجهل ما يغيب عنه ، ولو فقهوا لعلموا أن لما ظهر من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم باطنا خفي عنهم من أمر اللّه تعالى ، فلذلك وصفهم :
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
. وقيل :
لا يَفْقَهُونَ
: لا يستدركون عظمة اللّه ، ويشهدون جلالة المؤمنين بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا يعلمون أن ذلك باللّه تعالى ، وقيل :
لا يَفْقَهُونَ
من معنى المرسل ، والرسول معنى المرسل وعظمته ، فيتقون اللّه حق تقاته ، أما قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ
فإنه جاء بعد قوله :
هامش
( 1 ) سورة : الحشر ، الآية : 13 .
( 2 ) سورة : الحشر ، الآية : 14 .