إلى هذه الآيات بعدها ، وهي تنظم المكانين نظما واحدا ، اختير أن يجعل الخلق فيهما خلقا واحدا ، فلا يفصل بينهما بخلقهما ، والقصد جمعهما في نظام واحد ، ولم يكن هذا المعنى موجودا في سائر السور ، فكان الأصل فيه أولى ، وهو إعادة : ( ما ) والدليل على ذلك قوله في آخر سورة الحشر « 1 » :
يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
؛ لأنه قال قبله :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
« 2 » فنظم تحت هذه الصفات مخلوقات السماوات والأرض ، وكذلك قبله :
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ
« 3 » كذلك نظم المخلوق في المكانين فيما يكون من تسبيحهم وتقديسهم ، حملا على الأول الذي هو الأصل .
الآية الثانية منها
قوله تعالى :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 4 » وقال بعده بآيتين :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
« 5 » .
للسائل أن يسأل : عن إعادة هذه اللفظة في المكان القريب من الأول ، وصلتها في الأولى بقوله :
يُحْيِي وَيُمِيتُ
ثم صلتها في الأخرى بقوله :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
؟ .
الجواب أن يقال : إن المعنى : له الملك أولا وآخرا ، فالأول في الدنيا ، وهو :
وقت الإحياء والإماتة ، والآخر في الآخرة حين ترجع الأمور إليه ، ولا يملك أحد سواه لا ملكا ولا ملكا ، فقرن بالأول يحيي ويميت ؛ لأنهما من أمارة الملك ، وقرن بالآخر ما يكون في الآخرة من مرجع الخلق وجزائهم بالثواب والعقاب إليه ، فجاء في كل مكان ما اقتضاه وما شاكل معناه .
الآية الثالثة منها
قوله تعالى :
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً
« 6 » وقال فيما تقدم من سورة الزمر « 7 » :
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً
.
هامش
( 1 ) الآية : 24 .
( 5 ) سورة : الحديد ، الآية : 5 .
( 2 ) سورة : الحشر ، الآية : 24 .
( 6 ) سورة : الحديد ، الآية : 20 .
( 3 ) سورة : الحشر ، الآية : 23 .
( 7 ) الآية : 21 .
( 4 ) سورة : الحديد ، الآية : 2 .