تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
. للسائل أن يسأل : عن التوكيد في سورة حم السجدة في قوله :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
وتعريفه الصفتين بالألف واللام ، وترك التوكيد بقوله :
هُوَ
وترك التعريف في :
سَمِيعٌ عَلِيمٌ
من الأعراف ؟ . الجواب أن يقال : إن الذي في سورة السجدة لما كان بعد دعاء إلى ما يشق على الإنسان فعله ، وهو أن يدفع السيئة بالحسنة ، ويقابل غلظة عدوه بالملاينة استكفافا لشره وأذاه ، حتى يعود إلى اللطف في المقال والجميل من الفعل ، فيصير وإن كان عدوا كأنه صديق قريب القربى ، ثم قال :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
« 1 » ؛ أي : ما يوفق لذلك إلا من ملك أمر نفسه وصبر على احتمال الأذى من عدوه ، ولا يوفق لذلك إلا من له نصيب وافر من الدين وحظ جزيل من الإسلام ، وهذا الذي بعث اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم وسائر المؤمنين عليه ، ما ينتهز الشيطان الفرصة عليه عنده ويبعث على عداوته من تجلب عداوته ضره ويوسوس إلى العصيان بالحمية والأنفة ، فإذا كان الإنسان ثابت القدم ومالكا لنفسه عند الغضب فجاءه من قبل الشيطان مثل ما ذكرت مما يحمل على خلاف ما رغب اللّه تعالى فيه ، ويدعو إلى معصية اللّه تعالى ، ووجد في نفسه فسادا يتزين له من جهة شيطانه ، وهو مأمور عند ذلك بالاستعاذة باللّه من الشيطان ومن ضرر ما يحمل عليه ليعيذه اللّه تعالى منه ، فلما كان الأمر الذي بعث اللّه تعالى عليه أولياءه شاقا عظيما ، حتى قال :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
كانت وسوسة الشيطان في مثله أعظم ، والمؤمن لها أيقظ ، ومن قبولها أبعد ، وكان الترغيب في مدافعته أبلغ ، وتقدير علم اللّه تعالى بما يلاقي من ذلك أوكد ، فجاء قوله :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
؛ أي : لا سميعا عليما قديما إلا هو ، فهو لم يزل يعلم ما يكون قبل أن يكون ، فكيف ما يتكلف به من المشاق فيما دعاك إليه ؟ فهذا وجه التوكيد والتعريف في هذه الآية ، وأما الآية التي في سورة الأعراف ، فإن قبلها :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 2 » ولم تعظم فيها الأفعال التي دعا إليها كما عظمت في سورة السجدة ؛ بل كان ما هناك بعثا على أحسن الأخلاق ، ولم يخص نوعا من المشاق كما خص في سورة السجدة ، فلم تقع المبالغة في اللفظ ، واقتصر في الخبر على الأصل ، وهو :
هامش
( 1 ) سورة : فصلت ، الآية : 35 . ( 2 ) سورة : الأعراف ، الآية : 199 .