تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
« 1 » فإنه قلت الجمل قبله ، ولم يتعلق بما تقدمه تعلق ما ذكرنا به ، فلم يثقل ، فاختير الإتمام على الأصل ، وكذلك قوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ
لم يتقدمه ما يثقله من الجمل ما تقدم غيره مما ذكرنا ، وهذه النون حذفها في حال سكونها لشبهها بحروف المد واللين ، إذ كانت صوتا جاريا في هواء الأنف ، كما أن تلك أصوات تجري في هواء الفم ، ثم انضاف إلى هذا السبب كثرتها في الكلام ، وهي : أنها تدخل على كل فعل ، فيقال : كان زيد فاعلا ، ولم يك زيد فاعلا ، فلما كانت الكثرة أحد سببي حذف النون في الأصل ، صارت كثرة المتعلقات أحد سببي اختيار حذفها ، فإن سأل عن قوله :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ
« 2 » وقبله
عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
« 3 » وقد انقطع الكلام ، ولا تعلق لقوله :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ
بما قبله . قلت : لم يثقل بمتعلقات الجمل التي فيها تكن بما قبلها دون ما بعدها ، وهذه وإن لم تثقل بتعلقها بما قبلها ، فإنها ثقلت بتعلقها بما بعدها ، لقوله :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ
« 2 » ؛ أي : لا تشك فيما يعبد هؤلاء الكفار من الأصنام ، إنهم يعبدونها بحجة ، فإنهم لا يعبدونها إلا تقليدا لآبائهم الذين كانوا يعبدونها من قبل ، وكل يجزى بمستحقه ، وهو خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والمراد به هو ومن آمن به ، فقد تعلقت
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ
بهذا الكلام كله .

33 - سورة الأحزاب

ليس فيها شيء من ذلك .
هامش
( 1 ) سورة : مريم ، الآية : 4 . ( 2 ) سورة : هود ، الآية : 109 . ( 3 ) سورة : هود ، الآية : 108 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 263 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي