تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
في آخرها :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ
« 1 » . للسائل أن يسأل : عن حذف النون حيث حذفت ، وإثباتها حيث أثبتت ، وما الذي خصص كلا بمكانه ؟ الجواب أن يقال : إن هذه النون في قوله :
فَلا تَكُنْ
لما أشبهت بسكونها حروف المد واللين ثم كثرت استجيز حذفها للسببين جميعا ، فإن تحركت خرجت عن شبهها ، نحو : لم يكن الرجل منطلقا ، لا يجوز : لم يك الرجل منطلقا ، فأما إذا سكنت وتحرك ما بعدها ، فلك أن تأتي بها ، ولك أن تحذفها كما جاء في الموضعين ، ثم إنه يختار فيها الحذف إذا تحرك ما بعدها متى تعلقت بالجمل الكثيرة ، ويختار إثباتها إذا تعلقت بالقليلة ؛ لأن الكثرة أحد سببي جواز حذفها ، وهذه الكثرة - أعني أنها في أم الأفعال التي هي كان ، ويعبر بها عن كل فعل ، ألا ترى أنه لا يجوز : لم يه زيد ، ولم يص زيد في « لم يهن » « ولم يصن » ، وكثرة الجمل هي التي تثقلها - تعلقت بها من قبلها أو من بعدها ، فقوله في سورة هود :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
جاء بعد أن تعلق بآيات ذوات جمل تقدمته ، وهي :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
« 2 » فقد تقدمته جمل جاء عقيبها متعلقا بها ، فثقل من أجلها ، فاختير تخفيفها بحذف نونها ، وكذلك قوله :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
« 3 » جاء بعد قوله :
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
« 4 » وقع في جواب اللّه تعالى له ، بعد الكلام الذي كان منه لما بشر بالولد ، فطال الكلام جدا ، وخفف بالحذف في موضعه اختيارا . وكذلك قوله تعالى :
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً
« 5 » تعلق هذا بقوله :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً
« 6 » فأما قوله :
هامش
( 1 ) سورة : هود ، الآيتان : 108 و 109 . ( 4 ) سورة : مريم ، الآيتان : 8 و 9 . ( 2 ) سورة : هود ، الآية : 17 . ( 5 ) سورة : مريم ، الآية : 67 . ( 3 ) سورة : مريم ، الآية : 9 . ( 6 ) سورة : مريم ، الآيتان : 66 و 67 .