أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
إلى قوله :
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ
« 1 » وقال في تنزيه اللّه سبحانه وتعالى وتسبيحه في الصلوات :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
للصلاتين إذا أمسى
وَحِينَ تُصْبِحُونَ
لصلاة الفجر ،
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا
لصلاة العصر
وَحِينَ تُظْهِرُونَ
« 2 » لصلاة الظهر ، فأجمل القول فيما فسره على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما كان الموضع موضعا قصد فيه ذكر الجمل قال :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
ومعنى « من قبلهم » « وقبلهم » واحد والعامل في الظرف كون محذوف ؛ لأن الكون المذكور هو لكيفية العاقبة وهذا لكونهم قبلهم ، وقد أظهر في سورة المؤمن حيث قال :
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ
ثم استأنف الإخبار عنهم بأفعال فعلوها قدم ذكر أحدها ، ونسق الباقي عليه فقال :
كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها
إلى آخر أمرهم ، فكان حذف الواو الاختيار في هذا المكان ؛ لأن التقدير لما قال :
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
صار كأن سائلا سأل فقال : كيف كانوا ؟ وبما ذا عوملوا ؟
فجاء
كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
مجيء الجواب المتضمن لأفعالهم ثم ذكر بعده ما تضمن الجزاء على أعمالهم ، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى الواو كما احتاج إليها ما في سورة الملائكة ؛ لأن تلك تضم ما بعدها إلى ما قبلها ، كأنه قال : انظروا كيف أذلوا وكانوا أعز منكم عزة ؟ وكيف أضعفوا وكانوا أشد منكم قوة ؟ أي : لحقهم ذلك في حال متناهية بهم من أحوال الدنيا فأبدلوا بأحوال غيرها وقبل ذلك
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
« 3 » ؛ أي ليس الكفار ينتظرون إلا الهلاك المستأصل لهم كما حكم اللّه به على الأمم قبلهم ، واللّه سنّ ذلك في أمة كل نبي بعده نبي آخر وحكم في هذه الأمة بأن لا تستأصل كما استؤصل غيرها ، فلا الأمة التي حكم عليها بالهلاك يبدل حكمه فيها ويجعل مكان الاستئصال الاستبقاء ، ولا التي حكم عليها بغير الاجتياح تجتاح فيحول إليها الحكم الذي سنه في غيرها ، وهؤلاء الذين بعث على تدبر حالهم هم الذين أهينوا بعد عزة ، وأضعفوا بعد قوة فبدلت حالهم ، فكأنه قال :
أضعفوا وكانوا أشد منكم قوة ، فكان وجه الكلام هنا الواو إذ لم يكن في ابتداء خبر ينسق عليه إخبار يخبر بها عن الكفار كما كان في الآية الأولى .
وأما التي في سورة المؤمنون أولا : فإنها في موضع بسط وشرح ، ألا ترى أنها
هامش
( 1 ) سورة : الروم ، الآية : 10 .
( 3 ) سورة : فاطر ، الآية : 43 .
( 2 ) سورة : الروم ، الآيتان : 17 ، 18 .