تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
تعالى التي أخلصها له ، ولم يقصد أن يعملها خلقه ثم قال :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
« 1 » ؛ أي : ألزمناه حسنا في أمر والديه وقياما بحقوقهما عليه ، ثم قال : وإن أراداك على الشرك فلا طاعة عليك لهما ، فهذه جملة لم تتضمن ذكر السبب الذي أكد الحق بل اقتصر فيها على ما لا غنى عن علمه ، ولا يعذر أحد في جهله ، وأما الآية في سورة لقمان فإنها ذكرت بعد ما حكى اللّه تعالى عن لقمان من وصية ابنه إذ يقول :
يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
« 2 » ، فذكر اللّه تعالى عقيب ذلك وصية الإنسان بهما ونبّه على السبب الذي له عظم حقهما فقال :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ
؛ أي : ضعف حمل مضافا إلى ضعف المرأة ، وقيل : ضعفا يتزايد على ضعف كما يتزايد ثقل الجنين ، وأرضعته عامين ، وهذان وإن انفردت بهما الأم فإن الأب يتحمل الشدائد في القيام بأمر الأم والولد حتى يقدر على تربيته ، وربما ضيّق على نفسه فيما يصرف إليهما من نفقته ، فقال :
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
، والمعنى : ووصيناه بأن اشكر لي ولوالديك ، وأن بمعنى « أي » وهو تفسير الوصية والتنبيه على عظم النعمة ، ووجوب شكر اللّه على قدر ما أولاه ، إذ كان هو خلقه وسوى أعضاءه ، ونفخ الروح فيه ، وأنعم عليه قبل استحقاقه ، ثم عرضه النعمة الشريفة والدرجة العلية ، وشكر بعض ذلك يستغرق الجهد ويفني الطوق ، فأما شكر الوالدين ، فهو أن يحسن إليهما ويبرهما ويكرمهما ويطيعهما ، إلا إذا أمراه بمعصية اللّه تعالى ، فتسقط عنه طاعتهما ؛ لأنه مع إسقاط حق الخالق لا يثبت حق الوالدين لأن اللّه تعالى عقد شكرهما بشكره ، فإذا دعواه إلى معصيته ، فقد أبطلا به شكره ، فانحل شكرهما المعقود معه ، وقيل : إن هذه الآية نزلت في سعد بن مالك وهو سعد بن أبي وقاص ، وروي عنه أنه قال : « كنت برا بأمي ، فلما أسلمت قالت لي : يا سعد ما هذا الدين الذي أراك قد أحدثت ، واللّه لا آكل ولا أشرب ، حتى أموت فتعير بي فيقال : قاتل أمه ، فلم تأكل ولم تشرب يوما وليلة فأصبحت وقد جهدت ، فلما كانت القابلة لم تأكل ولم تشرب فأصبحت وقد اشتد جهدها ، فقلت لها : يا أمه تعلمين واللّه لو كان لك سبعون نفسا ، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء ، فلما رأت ذلك أكلت وشربت ، فأنزل اللّه هذه الآية فيّ » ، فهذه الآية قد تضمنت من البيان والتفصيل ما لم تتضمنه الأولى ؛ لأن تلك مذكورة مع الحمل ، وهذه مذكورة لقصة مشروحة فيما بين آيات تضمنت الواجبات والمستحسنات فيما حكى اللّه عز اسمه في وصية لقمان لابنه ، ثم كان في ذكر
هامش
( 1 ) سورة : العنكبوت ، الآية : 8 . ( 2 ) سورة : لقمان ، الآية : 13 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 240 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي