اتخذ زينة يتجمل عند الأكفاء بها ، فما كان محتاجا إليه فهو متاع أيام قليلة ، وما فضل عن ذلك فهو ما يقتنى لعدة وزينة ، والدليل على أن الخطاب خارج على هؤلاء وإن صلح عظة لجميع الناس التفصيل الذي جاء بعده في قوله :
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
« 1 » . أي : يحضرون العقاب لتقدم ذكر من يعطي الثواب ، فلم يكن لعطف هذه الجملة على الجملة المتقدمة غير الواو ، إذ لا معنى هاهنا من معاني الفاء . . وأما ذكر زينتها فلاستيعاب جميع ما بسط فيه الرزق للكفار . . . والآية الثانية قبلها :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
« 2 » ولفظ ذلك عام ، ومعناه خاص إذ كانت المصائب تصيب من لم يذنب ولا عقاب عليه ، فالمراد به : بعض المصابين وبعض المصائب ثم تبعه قوله :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ
« 3 » إن يشأ يفعل ، أو لا يفعل أي : إن شاء أنجى أهلها ، وإن شاء أهلكهم بذنوبهم ، وقد لا يهلكهم فيعفو عمن يستحق العفو ، ويمهل من علم منه الصلاح
الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا
« 4 » وهم الكفار ، يعلمون وهم في السفن أنهم لا منجى لهم إلا باللّه ولطفه ثم خاطبهم ، فقال : وإن أوتيتم السلامة ورزقتم بعدها العافية ، فذلك قليل البقاء ، وإن امتد أياما ، فليس القصد في هذا المكان استيعاب جميع ما يتوهم في دنياهم ، بل هو مطلوبهم في تلك الحال من النجاة والأمن في الحياة ، فلم يحتج إلى ذكر الزينة ولم يكن إلا موضع الفاء لأن تعلق ما بعدها بقوله :
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
« 5 » ؛ أي : يغلب على ظنونهم ذلك ، فإن أنجاهم اللّه وأعطاهم مرادهم في تلك الحال ، فإن ذلك سريع الزوال عنهم قليل البقاء معهم ، والذي أعده اللّه تعالى للمؤمنين خير وأبقى ، ثم وصف المؤمنين بصفات ترغبهم في الكون عليها في قوله :
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ
« 6 » إلى آخر القصة ، كما زهدهم في التمسك بالدنيا الفانية ، فالمراد بما يؤتونه إنما هو مطلوبهم من السلامة والنجاة من تلك الهلكة ، والأمن من أمثالها من الورطات ، وذلك عقيب ما أشرفوا عليه من الغرق ، ولا موضع لهذا الكلام يحسن غير العطف على ما قبله بالفاء ؛ لأنه عقب ما نالهم من المخافة بما أوتوه من الأمنة وحال السلامة إلى سائر ما للّه من النعمة ، فقد تضمن ما ذكرنا الجواب عن المسألتين .
هامش
( 1 ) سورة : القصص ، الآية : 61 .
( 4 ) سورة : الشورى ، الآية : 35 .
( 2 ) سورة : الشورى ، الآية : 30 .
( 5 ) سورة : الشورى ، الآية : 35 .
( 3 ) سورة : الشورى ، الآية : 32 .
( 6 ) سورة : الشورى ، الآية : 37 .