تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
في عبادة اللّه تعالى وإخلاصها ، وما عليهم في إشراك غيره فيها أي : لو علموا ما تنتهي إليه عواقب هذين لما عدلوا عما هو لهم أنفع إلى ما هو لهم ، أضر وهذا مكانه بعد قوله :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
، وقوله بعد ذلك :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
« 1 » ذكرهم بما لا يكاد يخلو منه أحد إذا دفع إلى شدة واضطر إلى الانقطاع إلى اللّه تعالى فدعاه وكشف شدته ، وقوله :
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ
؛ أي : يقيم المظلوم مقام الظالم في أرضه ، ويجعل من في العصر الثاني خلفا ممن في العصر من قبله ، وهذا موضع ينسى فيه الإنسان سالف شدته براهن نعمته فقال : قليلا تذكركم ما مر في ذكركم من بلائكم وشركم ، وهذا موضع يليق به ما جاء فيه وهو
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
، وقوله :
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
« 2 » قوله :
يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
معناه : ينجيكم منها بهدايته ، وما نصب لكم من آياته بالنجوم التي تعولون عليها في الماء وفي البر إذا لم تهتدوا في الظلمات وهو مثل قوله :
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ
« 3 » فلما كانت هدايته في البر وتسييره جواري الفلك بالريح ضم إليه الريح الأخرى المبشرة بالقطر ، فلما ختم الآية التي هي في معناها بقوله :
ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ
ختم هذه بقوله :
تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
؛ لأن المذكورين في هذه الآية هم المذكورون في تلك . . وأما قوله :
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 4 » ؛ أي : من لابتداء كونكم وهو خلقكم ومن لانتهائه وهو بعثكم لمجازاتكم - « ومن » للحال المتوسطة بين هذين ، وهو حفظ حياتكم بأقواتكم وأرزاقكم من السماء والأرض - أإله مع اللّه هاهنا من يعدل رب العالمين ، هلموا برهانكم وما يظهر في النفوس أن ما تقولونه حق وأن ما عداه باطل ، فإنكم لا تقدرون إلا على ضده مما يدل على أن ما تقولونه باطل وما عداه مما تخالفونه حق ، فقد بان ووضح أن كل خاتمة لائقة بمكانها والسّلام .
هامش
( 1 ) سورة : النمل ، الآية : 62 . ( 3 ) سورة : الأنعام ، الآيتان : 63 ، 64 . ( 2 ) سورة : النمل ، الآية : 63 . ( 4 ) سورة : النمل ، الآية : 64 .