على ذلك بقوله :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : النفس الظالمة لا تملك ما في الأرض فتفتدي به ولو ملكته لما قبل في فدائها وكيف يكون لها ذلك واللّه مالك ما في السماوات والأرض وليس للعبد ذلك ولا محله هنالك ، فوجب لهذا المكان ما لقوله :
ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
والمراد تقايس ما في الأرض مما ملكه اللّه العباد . وأما الموضع الذي ذكر فيه من فلم يصح فيه غيرها ؛ لأن قبله
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
« 1 » والمعنى : لا يحزنك ما يتوعدك به الكفار من القتل وأنواع المكروه فإن القدرة للّه تعالى وهو لا يمنح الكفار قدرة على ما يريدونه منك بل يعطيك العزة عليهم والغلبة لهم فإنه يملك من في السماوات ومن في الأرض ولا قوة لهم إلا به ولا قدرة لهم إلا من عنده فاقتضى هذا المكان « من » كما رأيت .
الجواب عن المسألة الثانية والسبب في إعادة « من » فيها وترك إعادة « ما » في الآية الأولى فقال :
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
وقال هناك :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ولم يقل : وما في الأرض فهو لأن المقصود بالذكر هو أنه قادر على أن يكفي النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمره هو ومن في الأرض من الكفار الذين بعث إليهم وخوفوه أذاهم ، فقرن إلى ذكرهم ذكر من في السماوات وهم أكبر شأنا وأعظم أمرا ، فإذا ملكوا كان من دونهم أدون ، فإعادة « من » مع ذكر الأرض للتوكيد الذي اقتضاه القصد إلى ذكرهم ، وأما حذف « ما » في الآية الأولى عند ذكر الأرض فلأن ذكره قد تقدم وهو
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ
« 2 » ، فلما قال :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
كان ذكر ما في الأرض هناك ورجوع هذا إلى ذلك المعنى مثل ذكره في هذا الموضع فأغنى ذلك عن التكرير .
الجواب عن المسألة الثالثة وهي تكرير ما في قوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
مع حذفها من الآية الأولى هو أن قبله
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
. فنزه نفسه عن الولد ، وأخبر أنه غني عما يجتلب باتخاذه ويستفاد بمكانه إذ كان مالكا لكل ما في السماوات وما في الأرض ، فكان الموضع موضع تأكيد ، فكأنه قال : إذا كان له كل ما في السماوات وكل ما في الأرض فلما ذا يتخذ الولد ؟ ولا يجوز عليه اجتلاب مسرة وانتفاع به ؛ لأنه الغني بنفسه تعالى ، فإعادة « ما » في هذا المكان لهذا الضرب من التوكيد أي : هو غني لا يحتاج إلى
هامش
( 1 ) سورة : يونس ، الآيتان : 65 و 66 .
( 2 ) سورة : يونس ، الآية : 54 .